بدائع الفوائد

ما دل على معنى فيه؛ لأنَّه اقتضاه معنى، فيقتضيه عملًا؛ لأنَّ الألفاظ تابعة للمعاني، فكما تشبَّث الحرف بما١ داخلي عليه معنًي وجب أن يتشبث به لفظًا، وذلك هو العمل.

فأصل الحرف أن يكون عاملًا، فنسأل عن غير العامل، فنذكر الحروف التي لم تعمل، وسبب سلبها العمل.

فمنها: "هل"، فإنها تدخل على جملة قد عمل بعضها في بعض، وسبق إليها عمل الابتداء أو الفاعلية، فدخلت المعنى في الجملة، لا لمعنى في اسم مفرد، فاكتفى بالعامل٢ السابق قبل هذا الحرف، وهو الابتداءُ ونحوه.

وكذلك "الهمزة" نحو: "أعمرو خارج" فإن الحرف دخل لمعنًى في الجملة، ولا يمكن الوقوف عليه، ولا يتوهم انقطاع الجملة عنه؛ لأنَّه حرف مفرد لا يوقَفُ عليه، ولو تُوُهِّم ذلك فيه، لعمل في الجملة، ليؤكدوا بظهور أثرِه فيها تعلُّقَه بها ودخوله عليها واقتضاءَه لها، كما فعلوا في "إنّ" وأخواتها، حيث كانت كلمات من ثلاثة أحرف فصاعدًا، يجوز الوقف عليها، كـ "إنه وليته ولعله"، فأعملوها في الجملة إظهارًا لارتباطها وشدة تعلقها بالحديث الواقع بعدها، وربما أرادوا توكيد تعلق الحرف بالجملة، إذا٣ كان مؤلَّفًا من حرفين، نحو: "هل"، فربما توهم٤ الوقف عليه، أو خيف ذهول السامع عنه، فأُدْخل في الجملة حرفٌ زائد ينبه السامع عليه، وقام ذلك الحرف

  1. (١) (ظ ود): "عما"، والمثبت من (ق).
  2. (٢) (ظ ود): "بالعمل" والمثبت من (ق) و"النتائج".
  3. (٣) (ظ ود): "إذ".
  4. (٤) (ق): "وهم".
53

مقام العمل، نحو: "هل زيد بذاهب"، و"ما زيد بقائم"، فإذا سمع المخاطب "الباء" وهي لا تدخل في الثبوت، تأكد عنده ذكر النفي والاستفهام، وأنَّ الجملة غير منفصلة [عنه]١، ولذلك أعمل أهل الحجاز "ما" النافية [لتشبُّثِها]٢ بالجملة.

ومن العرب من اكتفى في ذلك التعلق وتأكيده بإدخال "الباء" في الخبر؛ ورآها نائبة٣ في التأثير عن العمل، الذي هو النصب.

وإنما اختلفوا في "ما"، ولم يختلفوا في "هل"؛ لمشاركة "ما" لـ "ليس" في النفي، فحين أرادوا أن يكون لها أثر في الجملة، يؤكَد [تشبئها]٤ بها، جعلوا ذلك الأثر كأثر "ليس"، وهو النصب، والعمل في باب "ليس" أقوى؛ لأنها كلمة، كـ "ليت" و"لعل" و"كأنّ"، والوهم إلى انفصال الجملة عنها أسرع منه إلى توهُّم انفصال الجملة عن "ما" و"هل". فلم يكن بدّ من إعمال "ليس" وإبطال معنى الابتداء السابق. ولذلك إذا قلت: "ما أريد إلا قائم"، لم يعملها أحد منهم؛ لأنه لا يتوهم انقطاع "زيد" على "ما"؛ لأن "إلا" لا تكون إيجابًا إلا بعد نفي، فلم يتوهم انفصال الجملة عن "ما"، ولذلك لم يُعْمِلوها عند تقديم الخبر، نحو: "ما قائم زيد"، إذ ليس من رقبة النكرة أن يكون مبدوءًا بها مخبرًا عنها إلا مع الاعتماد على ما قبلها، فلم يتوهم المخاطب انقطاع الجملة عن "ما" قبلها، لهذا السبب فلم يحتج إلى إعمالها وإظهارها، وبقي الحديث كما كان قبل دخولها، مستغنيًا عن تأثيرها فيه.

  1. (١) في الأصول: "عنده"، والتصويب من "النتائج".
  2. (٢) في الأصول: "لشبهها" والتصويب من "النتائج".
  3. (٣) (ظ ود): "ثابتة" و(ق) محتملة، والمثبت من "النتائج".
  4. (٤) تحرفت في (ق وظ): والمثبت من (د) و"النتائج".
54

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي