وقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ٤٣﴾. فبدأ بالسجود، قيل: ذلك فى غير شريعتنا ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾، ولأن الركوع يسمى سجودًا، والسجودُ ركوعًا بدليل حديث عائشة: "صلى النبي ﷺ الكسوف ركعتين، فى كلِّ ركعة سجدتين"٢ تريدُ: ركوعين، وفي حديث أبي هريرة: "من أدرك من العصر سجدة"٣ يريد: ركعةً. وقال تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ٢٤﴾ يريدُ: ساجدًا.
قال أحمد: وإن انغمس فى الماء لا يُجزئهُ حتى يتوضَّأَ٤.
قال أبو حفص: إن كان اغتسالُهُ لغير الجنابة لا يجزئه من وضوئه وإن نوى الوضوء؛ لأن عليه التَّرتيب، وإذا خرج من الماء خرج رأسهُ قبل وجهه؛ ولأن الغُسل لا يقوم مقام المسح، والمنغمس في الماء، فإن مسح برأسه وغسل رجليه بعد أن رتَّب الأعضاء في جوف الماء، فإن مسح برأسه وغسل رجليه بعد أن خرج رأسه من الماء، ويكون قد تمضمض واستنشق أولًا = صحَّ وضوؤُه.
قال أحمد: إذا علَّم رجلًا الوضوء لا يُجزؤهُ، يريد بهذا: إذا لم يَنو الوضوء لنفسه؛ لأن أبا داود٥ رَوى عنه: علَّم رجلًا الوضوء٦ ونوى أجزأه؛ لأن عثمان وعليًّا ﵄ جلسا يُعلِّمان الناس
(١) "وهو غير واجب" ساقط من (ظ).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٠٤٤)، ومسلم رقم (٩٠١).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٥٥٦)، ومسلم رقم (٦٠٨).
(٤) انظر: "مسائل عبد الله" رقم (١١٥ - ١١٩).
(٥) لم أجده في مسائله.
(٦) من قوله: "لا يجزئه يريد .. " إلى هنا ساقط من (ق).
وضوءَ رسول الله ﷺ وكان لهما طُهورًا١.
عن أحمد ثلاثُ روايات في الجنب، هل يحتاجُ إلى الوضوء؟
إحداهنَّ: يُجْرئُهُ الغسل بلا وضوءٍ.
الثانية: يجزئُهُ الغسلُ لوضوئه إذا نواه.
الثالثة: لا يجزئه حتى يتوضَّأ.
قلت: استشكلَ: بعض الأصحاب (ق / ٣٤٤ ب) الرِّوايَةَ الأولى، وهي الصحيحة دليلًا؛ لأن حكمَ الحَدَثَ الأصغرِ قد اندرجَ في الأكبر، وصار جُرءًا منه، فلم: ينفردْ بحكمٍ، لاسيَّما وكلُّ ما يجبُ غسلُهْ من الحَدَث الأصغر٢ يجب غسله في الأكبر وزيادة، فهذه الرِّوايةُ هي الصَّحيحةُ، وبهذا الطَريق كان الصحيح أن العُمْرَةَ ليست بفريضةٍ، لدخولها في الحجِّ، والنبيُّ ﷺ علَّقَ الطُّهْرَ بإفاضةِ الماءِ على جميع الجَسَد٣، ولم يشترطْ وضوءًا، وفَعَله النبيُّ ﷺ لبيان أكملِ الغُسْل.
قال أبو حفص: إن قيل: النبي ﷺ أفردَ المضمضةَ والاستنشاقَ بالذِّكر عن الوجهِ، فقال: "إنَّ العَبْدَ أذا تَمَضمَض واسْتَنشَقَ، خرَجتْ ذنوبه مِن فيهِ وَمنخَرَيْهِ، فإذا غسَل وَجْهَهُ ... "٤ الحديث.
(١) حديث عثمان في "الصحيحين"، وحديث علي أخرجه أصحاب السنن وأحمد.
(٢) من قوله: "قد اندرج ... " إلى هنا ساقط من "ظ".
(٣) فيما أخرجه مسلم رقم (٣٣٠) عن أم سلمة قال رسول الله ﷺ في وصف الغسل: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسِك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين".
(٤) أخرجه أحمد: (٣١/ ٤٢٣ رقم ١٩٠٦٤)، والنسائي: (١/ ٧٤ - ٧٥)، وابن ماجه رقم (٢٨٢) من حديث الصنابحي. وأخرجه مسلم رقم (٨٣٢) في حديث عَمرو بن عَبَسة الطويل.