مقام العمل، نحو: "هل زيد بذاهب"، و"ما زيد بقائم"، فإذا سمع المخاطب "الباء" وهي لا تدخل في الثبوت، تأكد عنده ذكر النفي والاستفهام، وأنَّ الجملة غير منفصلة [عنه]١، ولذلك أعمل أهل الحجاز "ما" النافية [لتشبُّثِها]٢ بالجملة.
ومن العرب من اكتفى في ذلك التعلق وتأكيده بإدخال "الباء" في الخبر؛ ورآها نائبة٣ في التأثير عن العمل، الذي هو النصب.
وإنما اختلفوا في "ما"، ولم يختلفوا في "هل"؛ لمشاركة "ما" لـ "ليس" في النفي، فحين أرادوا أن يكون لها أثر في الجملة، يؤكَد [تشبئها]٤ بها، جعلوا ذلك الأثر كأثر "ليس"، وهو النصب، والعمل في باب "ليس" أقوى؛ لأنها كلمة، كـ "ليت" و"لعل" و"كأنّ"، والوهم إلى انفصال الجملة عنها أسرع منه إلى توهُّم انفصال الجملة عن "ما" و"هل". فلم يكن بدّ من إعمال "ليس" وإبطال معنى الابتداء السابق. ولذلك إذا قلت: "ما أريد إلا قائم"، لم يعملها أحد منهم؛ لأنه لا يتوهم انقطاع "زيد" على "ما"؛ لأن "إلا" لا تكون إيجابًا إلا بعد نفي، فلم يتوهم انفصال الجملة عن "ما"، ولذلك لم يُعْمِلوها عند تقديم الخبر، نحو: "ما قائم زيد"، إذ ليس من رقبة النكرة أن يكون مبدوءًا بها مخبرًا عنها إلا مع الاعتماد على ما قبلها، فلم يتوهم المخاطب انقطاع الجملة عن "ما" قبلها، لهذا السبب فلم يحتج إلى إعمالها وإظهارها، وبقي الحديث كما كان قبل دخولها، مستغنيًا عن تأثيرها فيه.
(١) في الأصول: "عنده"، والتصويب من "النتائج".
(٢) في الأصول: "لشبهها" والتصويب من "النتائج".
(٣) (ظ ود): "ثابتة" و(ق) محتملة، والمثبت من "النتائج".
(٤) تحرفت في (ق وظ): والمثبت من (د) و"النتائج".
وأما حرف "لا"؛ فإن كان عاطفًا فحكمه حكم حروف العطف، ولا شيء منها عامل، وإن لم تكن عاطفة نحو: "لا زيد قائم ولا عَمرو"، فلا حاجة إلى إعمالها في الجملة؛ لأنه لا يتوهم انفصال الجملة بقوله: "ولا عمرو"؛ لأن الواو مع "لا" الثانية تشعر بالأولى لا محالة، وتربط الكلام بها؛ فلم يحتج إلى إعمالها، وبقيت الجملة عاملًا فيها الابتداء، كما كانت قبل دخول "لا".
فإن (ق ١٢/ ب)، قلت: فلو لم تعطف، وقلتَ: "لا زيد قائم"؟.
قلتُ: هذا لا يجوز؛ لأن "لا" يُنفى بها في أكثر الكلام ما قبلها، تقول: "هل قام زيد"؟ فيقال: لا. وقال سبحانه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ١﴾[القيامة: ١] وليست نفيًا لما بعدها هنا، بخلاف ما١ لو قيل: "ما أقسم" فإنّ "ما" لا٢ تكون أبدًا إن نفيًا لما بعدها، فلذلك قالوا: "ما زيد قائم"، ولم يخشوا٣ توهم انقطاع الجملة عنها، ولو قالوا؟ "لا زيد قائم"، لخيف أن يتوهم أن الجملة موجبة، وأن "لا" كـ "هي" أني (لا أقسم)؛ إلا أن تعطف فتقول: "لا زيد في الدار ولا عَمرو" وكذلك] في النكرات، نحو: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾[الطور: ٢٣] إن أنهم في النكرات قد أدخلوها على المبتدإ والخبر تشبيها لها بـ "ليس"؛ لأنّ النكرة أبعد في باب٤ الابتداء من المعرفة، والمعرفة أشد استبدادًا بأول الكلام.
وأما التي للتبرِئَة؛ فللنحويين فيها اختلاف، أهي عاملة أم لا؟ فإن كانت عاملة فكما أعملوا "إِن" حرصًا على إظهار تشبُّثها بالحديث.