بدائع الفوائد

وإن كانت غير عاملة -كما ذهب إليه سيبويه١ -، والاسم بعدها مركب معها مبني على الفتح، فليس الكلام فيه.

وأما حرف النداء؛ فعامل في المنادى عند بعضهم، قال٢: "والذي يظهر لي الآن أن النداء٣ تصويت بالمنادى نحو "ها" ونحو "يا"٤، وأن المنادى منصوب بالقصد إليه وإلى ذكره، كما تقدم من قولنا في كل مقصود إلى ذكره مجردًا عن الإخبار عنه: إنه منصوب. ويدلك على أن حرف النداء ليس بعامل وجود العمل في الاسم دونه، نحو: "صاحب زيد أقبل"، و﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] وإن كان مبنيًّا عندهم فإنه بناء كالعمل. ألا تراه ينعت على اللفظ كما ينعت المعرب؟ ولو كان حرف النداء عاملًا لما جاز حذفه وإبقاء عمله.

فإن قلت: فلِمَ عملت النواصب والجوازم في المضارع؟ والفعلُ بعدها جملة قد عمل بعضه في بعض، ثم إن المضارع قبل دخول العامل عليه كان مرفوعًا، ورفعه بعامِل، وهو وقوعه موقع الاسم، فهلَاّ مَنع هذا العامل هذه الحروف من العمل، كما منع الابتداء الحروف الداخلةَ على الجملة من العمل؛ إِلَّا أن يُخشى انقطاع الجملة، كما خِيف في "إِن" وأخواتها.

فالجواب من وجهين:

أحدهما: أَن العامل في المبتدأ٥ -وإن كان معنويًا-

  1. (١) انظر: "الكتاب" (١/ ١٤٥). والكلام في مختلف عما هنا، فإن "لا" تعمل عنْدَه.
  2. (٢) القائل هو: السُّهيلي فيِ "نتائج الفكر": (ص/ ٧٧).
  3. (٣) في "النتائج": "أن يا".
  4. (٤) (د): "ونحوها".
  5. (٥) (ق): "الابتداء".
56

كما أَنَّ الرَّافع للفعل المضارع معنوي، ولكنه أقوى منه؛ لأنَّ حقَّ كلِّ مُخبر عنه أن يكون مرفوعًا لفظًا وحسًّا، كما أنه مرفوع معنى وعقلًا، ولذلك استحق الفاعلُ الرفعَ دون المفعول؛ لأنّه المحْدَث عنه الفعل١، فهو أرفع رتبة في المعنى، فوجب أن يكون [في]٢ اللفظ كذلك، لأنه تابع للمعنى. وأما رفع الفعل المضارع فلوقوعه موقع الاسم المخبر عنه٣ والاسم التابع له، فلم يَقْوَ قوَّته في استحقاق الرفع، فلم يمنع شيئًا من الحروف اللفظية عن العمل؛ إذ اللفظي أقوى من المعنوي، وامتنع ذلك في بعض الأسماء المبتدأة لضعف الحروف وقوة٤ العامل السابق للمبتدأ.

الجواب الثاني: أن هذه الحروف لم تدخل لمعنى في الجملة، إنّما دخلت لمعنى٥ في الفعل المتضمِّن للحديث من نفى أو إمكان٦ أو نهي أو جزاءٍ أو غيره، وذلك كله يتعلق بالفعل خاصة لا بالجملة، فوجب عملها فيها كما وجب عمل حروف الجر في الأسماء، من حيث دلت على معنى فيها، ولم تكن داخلة على جملة قد سبق إليها عامل معنوي ولا لفظي.

ومما ينبغي أن يُعْلَمْ أن النواصب والجوازم لا تدخل على الفعل الواقع موقع الاسم، لحصوله في موضع الأسماء، فلا سبيل

  1. (١) في الأصول: "بالفعل"، والتصويب من "النتائج".
  2. (٢) زيادة من "النتائج".
  3. (٣) كذا في الأصول و"النتائج"! والصواب: "به".
  4. (٤) (ظ ود): "وقلّة"!.
  5. (٥) "الجملة، إنما دخلت لمعنى في" سقطت من (د).
  6. (٦) (ظ ود): "إنكار".
57

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي