بدائع الفوائد

ابن الصباغ١ وأنا حاضرٌ، فتحَصّل من الجواب أنها تستبيحُ الإفطار؛ لأن أكثرَ ما فيه أنه نوعُ ضَرَرٍ لأجل المشاقُ، فهو كإفطار المسافر في المُضَارَبَةِ، فيستبيح كالمسافر بمال نفسِه، وفارق العمل في الصَّنائع الشَّاقَّةِ؛ لأنها إذا بلغ منها الجَهْدُ إلى حَدَّ يبيحُ في حقِّ نفسِه أباحَتْ في عملِ غيرِه، وإن لم تبلغِ المشقَّةُ إلى حدّ إباحةِ الإفطارِ، لم يبَحْ في حَقِّه، ولا حق غيره.

قال أحمد في رواية ابن ماهان٢: لا بأس للعبد أن يَتسَرَّى، إذا أذِنَ له سيِّده، فإن رجَعَ السَّيَدُ، فليس له أن يرجعَ إذا أذِن له مَرَّة وتَسَرَّى، فتأوَّله القاضي، وقال: يحتمل أنه أراد بالتَّسَوِّي هاهنا التزويجَ، وسماه تَسَرِّيًا مجازًا، ويكون للسيِّدِ الرجوعُ فيما مَلَّكه" عبدَهُ٣.

وهذا نظيرُ تأويل الشيخ أبي محمد٤ النِّكاحَ بالتَّسَرِّي في مسألة تزويج عبده بأمَتِهِ، وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد وحرب٥: ليس للسَّيِّد أن يأخذَ سريةَ العبد إذا أذِن له في التَّسَرِّي، فإنْ تَسَرَّى (ظ/ ٢٤٤ ب) بغير إذنِهِ أخذها منه، وإذا باع العبد وله سُرِّيَّة فهي لسَيِّدِه، ولا يُفَرَّق بينهما؛ لأنها بمنزلةِ المرأةِ، انتهى كلامه.

وهذا يردُّ قولَ الأصحاب: إن التَّسَرِّيَ مبنىٌّ على الملك، وأنه إذا لم يملك لم يَتَسَرَّ، ويرد قولَهم: إن للسيد انتزاعَ سُرِّيتهِ منه، ويردُّ

  1. (١) تقدمت ترجمته.
  2. (٢) هو: محمد بن ماهان النيسابوري، له مسائل حسان عن الإمام أحمد ت (٢٨٤). "طبقات الحنابلة": (٢/ ٣٦١ - ٣٦٤).
  3. (٣) انظر رواية ابن ماهان، وكلام القاضي في "المغني": (٩/ ٤٧٧).
  4. (٤) يعني ابن قدامة، انظر: "المغني": (٩/ ٤٧٥ - ٤٧٦).
  5. (٥) انظر نحوها في "مسائل ابن هانئ": (١/ ٢١٩).
1481

قولهم: إنه إذا باعه رجعت السُّرِّيَّةُ إلى سيدِه، ولا يطؤها العبدُ.

[قال أحمد في رواية ابن هانئ١ وحرب ويعقوب بن بختان: "إذا زوَّج عبدَهُ من أَمَتِهِ، ثم أعتقهما٢ لا يجوزُ أن يجتمِعا حتى يجدِّدَ النِّكاحَ"، فاستشكَلَ في "المغني"٣ هذه الرواية؛ فقال: وعن أحمد: إن عَتقا معًا انفسخ النكاحُ. ومعناه -والله أعلم-: أنه إذا وهب لعبده: سُرِّيَّةً أو اشترى له سُرِّيَّةً، وأذن له في التَّسَرِّي بها، ثم اعتقهما جميعًا صارا (ظ/٢٤٥ أ)، حُرَّيْن، وخرجت من ملك العبدِ، فلم يكنْ له إصابَتُها إلَّا بنكاحٍ جديد، هكذا روى جماعةٌ من أصحابه، فيمن وهب لعبدِهِ سُرِّيَّةً، أو اشترى له سريةً، ثم أعتقهما، لا يقربُها إلا بنكاحٍ جديد، واحتجَّ على ذلك بما روى نافع عن ابن عمر: أن عبدًا له كان له سُرِّيَّتان فأعتقهما وأعتقه، فنهاه أن يقربَهما إلّا بنكاحٍ جديدٍ٤.

قلت: وهذا التأويل بعيدٌ جدًّا من لفظ أحمد، فإن هؤلاء الثلاثة إنما رَوَوا المسألةَ عنه بلفظ واحد، وهو أنه زوَّجَ عبدَه أمَتَهُ، ثم قوله: "حتى يجدِّدَ النِّكاحَ" مع قوله "روَّجَ"، صريحٌ في أنه نكاحٌ لا تَسَرٍّ، وعنه في هذه المسألة ثلاثُ رواياتٍ؛ هذه إحداهنَّ، والثانية: لهما الخيارُ، نصَّ عليه في رواية الأثرم، والثالثة: أنهما على نكاحِهما، نصَّ عليه في رواية مجمد بن حبيب، وحكاها أبو بكر في "زاد المسافر"٥ ثلاث

  1. (١) لم أره في المطبوعة.
  2. (٢) (ق وظ): "أعتقها".
  3. (٣) (١٠/ ٧٣).
  4. (٤) أخرجه عبد الرزاق: (٧/ ٢١٥).
  5. (٥) لأبي بكر غلام الخلال ت (٣٦٣)، في المذهب، وذكر ابن رجب في "القواعد": (ص/١٦٩) أنه قد يقع له الغلط في حكاية كلام الإمام لتصرفه فيه.
1482

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي