فصارت هذه الحروف كالداخلة على الجمل، فقد تقدَّم في الحروف الداخلة على الجمل، أنها لا تستحق من العمل فيها ما تستحق الحروف الداخلة على الأسماء المفردة والأفعال.
ونقيس على ما تقدم "لامَ" التوكيد وتركَهم إعمالَها في الجملة، مع أنها لا تدخل لمعنى في الجملة فقط، بل لتربط ما قبلها من القَسَم بما بعدها. هذا هو الأصل فيها، حتى إنهم ليذكرونها دون القسم، فتشعر عند المخاطب باليمين١ كقوله:
إني لأمْنحُكِ الصدودَ وإننيقَسَمًا إليكِ مع الصُّدودِ لأمْيَلُ٢
لأنه حين قال: "لأمنحك"، علم أنه قد أَقسم، فلذلك قال: "قسمًا".
وهذا الأصل محيط بجميع أصول إعمال الحروف وغيرها من العوامل، وكاشف عن أسرار العمل للأفعال وغيرها من الحروف في الأسماء، ومَنْبَهَةٌ على سر امتناع الأسماء، أن تكون عاملة في غيرها" هذا لفظ السهيلي، والله أعلم.
فائدة٣
اختص الإعراب بالأواخر؛ لأنه دليل على المعاني اللاحقة للمعْرَب، وتلك المعاني لا تلحقه إلا بعد تحصيله وحصول العلم بحقيقته، فوجب أن يترتَّب (ق/ ١٣ ب) الإعراب بعده كما ترتب مدلوله
(١) (ظ ود): "بالنهي" وهو خطأ.
(٢) وقع في النسخ بعض التحريف في البيت. وهو للأحوص بن محمَّد الأنصاري من قصيدة له، وهو من شواهد في "الكتاب" (١/ ١٩٠) وانظر "الخزانة": (٢/ ٤٨).
(٣) "نتائج الفِكْر": (ص/ ٨٢).
الذي هو الوصف في المعْرَب.
فائدة١
قولهم: "حرف متحرك" و"تحركت الواو"، ونحو ذلك؛ تساهل منهم، فإن الحركة عبارة عن انتقال الجسم من حيِّز إلى حيِّز، والحرف جزء من الصوت، ومحالٌ أن تقوم الحركة بالحرف؛ لأنه عَرض، والحركة لا (ظ/ ١١ أ)، تقوم بالعرض، وإنما المتحرك في الحقيقة هو العضو من الشفتين، أو اللسان، أو الحَنك الذي يخرج منه الحرف.
فالضمة عبارة عن: تحريك الشفتين بالضمِّ عند النطق. فيحدث مع ذلك صُوَيت خفيّ مقارن للحرف، إن امتد كان "واوًا"، وإن قصر كان "ضمة".
وكذلك الفتحة عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف، وحدوث الصوت الخفي، الذي يسمى: فتحة أو نصبة، وإن مدت كانت ألفًا، وإن قصرت: فهي فتحة، وكذلك القول في الكسرة.
والسكون عبارة عن: خلوِّ العضو من الحركات عند النطق بالحرف، فلا يحدث بعد الحرف صوت فيجزم عند ذلك، أي: ينقطع، فلذلك سُمي: جزمًا؛ اعتبارًا بانجزام الصوت، وهو انقطاعه. وسكونًا؛ اعتبارًا بالعضو الساكن.
فقولهم: "فتح، وضم، وكسر"، هو من صفة العضو، وإذا سميت ذلك: "رفعًا ونصبًا وجزمًا وجرًا" فهي من صفة الصوت؛ لأنه يرتفع عند ضمّ الشفتين، وينتصب عند فتحهما، وينخفض عند كسرهما،