عبد الله١: قلت لأبي: يمسح بهما وجهَه؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ. وكان الحسنُ إذا دعا مسح وجْهَهُ.
وقال٢: سئل أبي عن رفع الأيدي في القُنوت، يمسحُ بهما وجهه؟ قال: لا بأس يمسح بهما وجهَه، قال عبد الله: ولم أرَ أبي يمسحُ بهما وجْهَهُ٣.
فقد سهَّلَ أبو عبد الله في ذلك وجعَلَه بمنزلة مسحِ الوجهِ في غيرِ الصَّلاةِ؛ لأنه عملٌ قليل ومنسوب إلى الطَّاعة، واختيارُ أبي عبد الله تَرْكُهُ.
* قال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ما أحبُّ إليك ما يَتَقَرَّبُ به العبدُ من العمل إلى الله؟ قال: كثرةُ الصلاةِ والسجودِ، أقربُ ما يكون العبدُ من الله، إذا عَمر وجْهَه له ساجدًا.
يعني بهذا: إذا سجدَ لله على التراب، وفى هذا بيان أن الصَّلاة أفضلُ أعمال الخير.
وروى عنه المرُّوْذيُّ أنه قال: كلُّ تسبيحٍ في القرآن صلاةٌ٤ إلَّا موضع واحد. قال: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ٤١﴾ الطور: ٤٩]، ركعتينِ قبلَ الفجر، ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ٤٠﴾[ق: ٤٠]، ركعتين بعد المغرب.
(١) "المسائل" رقم (٤٢٦).
(٢) المصدر نفسه رقم (٤٤٦).
(٣) وفي "مسائل أبي داود" رقم (٤٨٦): "سئل عن الرجل يمسح وجهه بيده إذا فرغ في الوتر؟ قال: لم أسمع به، وقال مرة: لم أسمع فيه بشيء، ورأيت أحمد لا يفعله" أهـ.
(٤) أخرجه الطبري: (٩/ ٣٣١) وغيره عن ابن عباس: "كل تسبيح في القرآن فهو صلاة، وكل سلطان في القرآن حجة" والزيادة الأخيرة عند الضياء في "المختارة". (١٠/ ٣١٤)
قال أبو حفص: والحجَّةُ في تفضيله الصلاةَ على سائِر أعمال القرَب قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾[البقرة: ٤٥]، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾[طه: ١٣٢].
و[قال]١ حذيفةُ: إذا حَزَبَهُ أمرٌ صَلَّى٢.
وقال: "أعِني عَلَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُودِ"٣، وقال: "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاةُ لأَوَّلِ وَقْتِها"٤ وقالَ: "جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ"٥، ولأنها تختصُّ بجمع الهمِّ، وحضورِ القلبِ، والانقطاع عن كلِّ شيء سواها، بخلاف غيرِها من الطَّاعات، ولهذا كانتَ ثقيلةً على النَّفْس.
* نقل عنه محمد بن الحكم٦ (ظ/ ٢٤٧ ب) في الرجل يفوتُهُ وِرْدُه من اللَّيل: لا يقرأ به في ركعتي الفجرِ، كان النبيُّ ﷺ يُخَفِّفُهما، لكن
(١) في الأصول: "وكان"، وسياق الكلام يدل أن المحكيّ عنه هو الرسول ﷺ لا حذيفة، إذ ساق الآيات على فضل الصلاة ثم الأحاديث، ثم لم أجد هذا الأثر عن حذيفة.
(٢) حديث حذيفة أخرجه أحمد: (٥/ ٣٨٨)، وأبو داود رقم (١٣١٩).
(٣) أخرجه مسلم رقم (٤٨٩) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁.
(٤) أخرجه البخاري رقم (٥٢٧)، ومسلم رقم (٨٥) من حديث أبي مسعود بنحوه بلفظ "على وقتها"، ولفظ المؤلف عند الترمذي رقم (١٧٠)، وأبو داود رقم (٤٢٦) من حديث أم فروة.
(٥) أخرجه أحمد: (١٩/ ٣٠٧ رقم ١٢٢٩٤)، والنسائي: (٧/ ٦١ - ٦٢)، والحاكم: (٢/ ١٦٠) من حديث أنسٍ ﵁ والحديث قوَّاه الذهبي والعراقي والحافظ ابن حجر.
(٦) تقدمت ترجمته (ص/٩٥٥)، وعدد من مسائله (ص/٩٥٧، ٩٥٨ وغيرها)، ووقع في (ق): "محمد بن عبد الحكم".