وجوَّز أبو عُبَيْدَةَ٢ أن يكونَ بمعنى الكلِّ، كما جوَّزَ ذلك في الأكثر، فالأوَّلُ كقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾[غافر: ٢٨]، والثاني كقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: [الشعراء: ٢٢٣]،، ولا دليلَ له في ذلك؛ لأن قوله: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ من خطاب التلطُّف والقول اللَّيِّن، وأما: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ فلا يمنع أن يكون فيهم من يصدقُ في كثير من أقوالِه٣.
إذا عرف هذا فقالت طائفةٌ: "البعضُ" للجزء القليلِ والكثيرِ والمساوي، وفي هذا نظرٌ؛ إذ إطلاق لفظِ "بعض العشرة" على التسعة منها يحتاجُ إلى نقلٍ واستعمال، والظاهرُ: أنه قريبٌ من البضْع معنىً، كما هو قريبٌ منه لفظًا، وليس في عرفِ اللغة والتَّخاطب إَذا قال: "خذ بعض هذه الصبرة" أن يأخذها كُلَّها إلَّا حفنةً منها، ولا لمن يجيئُك في أيامِ الشهر كلِّها إلّا يومًا واحدًا: "هو يجيءُ في بعض أيام الشهر".
* قال أحمدُ في: رواية حنبل: حديثُ عائشةَ ﵂: "لا طَلاقَ ولا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ"٤ يريد: الغضبَ٥.
وقال في رواية أبي داود١: حديث رُكُانَةَ لا يثبتُ أنه طلَّقَ امرأتَهُ ألبتَّةَ؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحُصَيْن، عن عِكْرمَةَ، عن ابن عباس: أن رُكَانَةَ طلَّق امرأتَه ثلاثًا٢، وأهل المدينة٣ يسمُّون ثلاثًا ألبتة.
وقال (ظ/ ٢٤٩ أ)، في رواية أحمد بن أصرم: أن أبا عبد الله سُئِلَ عن حديث رُكُانَةَ في ألبتَّةَ؟ فقال: ليس بشيء.
وقال في رواية أبي الحارث في رجل غَصَب رجلًا على امرأتِهِ فأولدها، ثم رجعَتْ إلى زوجها وقد أولدَها: لا يلزْمُ زوجَها الأولادُ، وكيف يكون الولدُ للفراشِ في مثل هذا؟! وقد عُلم أنَّ هذه في منزلِ رجلٍ أجنبيٍّ، وقد أولدها في منزلِهِ، إنما يكون الولَدُ للفراشِ إذا ادَّعاه الزَّوْجُ، وهذا لا يَدَّعِي فلا يلزمُهُ.
* قال أحمد في رواية إسحاق بن منصور: إذا زوَّج السَّيِّدُ عبدَهُ من أَمَتِهِ ثم باعها: يكونُ بيعُها طلاقَها، كقول ابن عباس.
وروايةِ أكثرِ أصحابهِ (ق/ ٣٥٩ ب) عنه: لا يكون طلاقًا.
وقال أحمد في رواية أبي طالب: لا أعلمُ شيئًا يدفعُ قولَ ابنِ عباس وابن عُمَرَ٤ وأحدَ عَشَرَ من التابعينَ، منهم٥: عطاءٌ ومجاهدٌ
(١) "المسائل" رقم (١١٢٩).
(٢) أخرجه أحمد: (٤/ ٢١٥ رقم ٢٣٨٧).
(٣) في بعض نسخ "المسائل": "أهل الذمة"، ثم قال أحمد بعدها: "والروافض يكون إذا طلَّقها ثلاثًا أنها واحدة أو ليس بشيء" اهـ.
(٤) قال في "المغني": (٩/ ٤٧٤): "ولا نعلم لهما مخالفًا".