في إرشاد القرآن والسُّنّة إلى طريق المناظرة وتصحيحها، وبيانِ العلل المؤثِّرة، والفروق المؤثرة، وإشارتهما١ إلى إبطال الدَّوْر والتَّسلسل بأوجزِ لفظٍ وأبينِهِ٢، وذِكْر ما تضمَّناه من التَّسوية بينَ المتماثلين، والفَرق بين المختلفين، والأجوبة عن المعارضاتِ، وإلغاء ما يجبُ إلغاؤُه من المعاني التي لا تأثيرَ لها، واعتبار ما ينبغي اعتبارهُ، وإبداء تناقض المبطِلِينَ في دعاويهم وحُجَجِهم، وأمثال ذلك.
وهذا من كنوزِ القرآن التي ضلَّ عنها أكثرُ المتأخرين، فوضعوا لهم شريعةً جَدَلِيَّةً، فيها حقٌ وباطلٌ، ولو أَعْطَوُا القرآنَ حَقَّهُ لرَأَوْهُ وافيًا بهذا المقصودِ كافيًا فيه، مُغْنِيًا عن غيره.
والعالِمُ عن الله (ق/ ٣٦٠ ب) مَنْ آتاه الله٣ فَهمًا في كتابهِ. والنبيُّ ﷺ أوَّلُ من بيَّنَ العللَ الشرعيَّةَ والمآخِذَ، والجمعَ والفَرْقَ، والأوصافَ المعتبرةَ والأوصافَ الملغاةَ، وبيَّنَ الدَّورَ والتَّسلسُلَ وقطعهما.
فانظر إلى قوله ﷺ وقد سُئِل عن البعيرِ يجربُ، فتجربُ لأجلِهِ الإبلُ، فقال، "مَنْ أعْدَى الأوَّلَ"٤، كيف اشتملتْ هذه الكلمةُ الوجيزةُ المختصرةُ البينَةُ على إبطال الدَّوْر والتَّسلسل، وطالما تَفَيْهق
(١) (ع): "وإشارتها"
(٢) (ع): "وأثبته".
(٣) "من آتاه الله" سقطت من (ع).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٥٧١٧)، ومسلم رقم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
الفيلسوف وتَشَدَّقَ المتكلِّمُ وقرَّر١ ذلك -بعد اللَّتَيًّا والَّتي- في عدَّةِ ورقاتٍ، فقال مَنْ أوتي جوامِعَ الكَلِمِ: "فمَنْ أَعْدى الأوَّلَ"، ففَهِم السامِعُ من هذا: أن إعداءَ الأوَّلِ إن كان من إعداءِ غيرِه له، فإن لم ينتَهِ إلى غايَة فهو التَّسلسلُ في المؤثِّرات، وهو باطلٌ بصريحِ العقل، وإن انتهى إلى غايةٍ. وقد استفادَتِ الجَرَبَ من إعداءِ مَن جرب به له، فهو الدَّوْرُ الممتنعُ.
وتأمل قوله في قصة ابن اللُّتْبيَّةِ: "أفَلا جَلَسَ في بيتِ أبيهِ وأمَّهِ، وَقالَ: هَذا أُهْدِيَ لِي"٢، كيفَ يجدُ تحتَ هذه الكلمةِ الشريفة أن الدَّوَرَانَ يُفيدُ العِلِّيَّةَ، والأصوليُّ ربما كدَّ خاطِرَهُ حتى قرَّر ذلك بعد الجهد، فدلَّت هذه الكلمةُ النبوية على أن الهديةَ لما دارَت مع العمل وجودًا وعدمًا كان العمل سَبَبَها وعِلَّتها؛ لأنه لو جلسَ في بيتِ أبيه وأُمِّه لانتفتِ الهديَّةُ، وإنما وُجِدت بالعملِ فهو عِلَّتها.
وتأملْ قوله ﷺ في اللُّقَطَةِ، وقد سُئِل عن لُقَطَةِ الغنم فقال: "إنَّما هِى لَكَ أو لأخِيْكَ أو للذِّئْب"، فلما سئل عن (ظ /٢٥١ أ) لُقَطَةِ الإبلِ غْضبَ، وقال: "ما لَك ولَها، مَعَها حِذاؤُها وسِقاؤها، تَرِدُ الماءَ وتَرعَى الشَّجَرَ"٣، ففرَّق بين الحُكْمَينِ باستغناءِ الإبل واستِقلالها بنفسِها، دونَ أن يُخاف عليها الهَلَكَةُ في البرِّيَّة، واحتياج الغنم إلى راعٍ وحافظٍ، وأنه إن غابَ عنها، فهي عُرضَةٌ للسِّباع بخلاف الإبل،
(١) (ع): "وقرب".
(٢) أخرجه البخاري رقم: (١٥٠٠)، ومسلم رقم (١٨٣٢) من حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٩١)، ومسلم رقم (١٧٢٢)، من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁.