والثانية: قَطْع إلحاق استعمال الجلدِ بأكلِ اللَّحمِ، وأنه لا يصحُّ قياسُه عليه، فلو أن قائلًا قاله: وإن دلَّتِ الآيةُ على تحريم الأكل وحدَه، فتحريم ملابَسَة الجلدِ قياسًا عليه، كان قياسُه باطلًا بالنَّصِّ؛ إذ لا يلزمُ من تحريمِ الملابسةِ الباطِنةِ بالتَعَدي تحريمُ ملابَسَةِ الجلدِ ظاهرًا بعد الدِّباغِ.
ففي هذا الحديثِ: بيان الموادِ من الآيةِ، وبيان: فسادِ إلحاقِ الجِلْد باللَّحم. وتأمَّلْ قوله ﷺ لأبي النعمان بن بَشِير وقد خصَّ ابنَهُ بالنُخل: "أَتحِبُّ أنْ يَكُونْوا في البِرِّ سَواءً"١؟ كيف تجدُهُ مُتَضَمِّنا لبيانِ الوصف الدَّاعي إلى شرع التَسْوِيَةِ بينَ الأولاد، وهو العَدلُ الذي قامتْ به السمواتُ والأرضُ، فكما أنك تحِبُّ أن يستووا في بِرِّكَ، وأنْ لا ينفردَ أحدُهم ببِرِّكَ وتُحرَمَهُ من الآخَرِ، فكيف ينبغي أن تُفرِدَ أَحَدَهما بالعَطِيَّة وتَحْرِمَها الآخرَ؟!.
وتأمَّل قولَه ﷺ لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب، فقال: "وَمَا يُدرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ اطْلَعَ على أهْلَ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئتم، فَقَدْ غفرتُ لَكُمْ"٢، كيف تجدُهُ متضمِّنا لحكم القاعدةِ التي اختلفَ فيها أربابُ الجدَلِ والأصوليُّون، وهي: أن التعليلَ بالمانِع هل يفتقرُ إلى قيامِ المقتضي، فعلَّلَ النبيُّ ﷺ عصمةَ دمِهِ بشهودِه بَدرًا دونَ الإِسلام العامَّ، فدلَّ على أن مُقْتضى قتلِهِ كان قد وُجِدَ وعارَض سببَ العصمةِ،
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٥٨٦)، ومسلم رقم (١٦٢٣) من حديث النعمان بن بشير ﵄.
(٢) تقدم تخريجه (٣/ ١٠٣٧).
وهو الجسُّ على رسول الله ﷺ، لكنْ عارضَ هذا المقتضي مانعٌ١ مَنَعَ من تأثيرِهِ وهو شهوده بدرًا، وقد سَبقَ من الله مغفرتهُ لمن شَهدَها.
وعلى هذا؛ فالحديث حجَّةٌ لمن رأى قتلَ الجاسوسِ٢؛ لأنه ليس ممَّنْ شَهِدَ بدرًا، وإنما امتنعَ قتلُ حاطب لشهودِهِ بدرًا.
ومن ذلك: قولُه ﷺ لعُمَرَ وقد سأله عن القبْلة للصّائم، (ق/ ٣٦١ ب) فقال: "أرأيْت لو تَمضمَضتَ"٣... الحديث، فتحتَ هذا إلغاءُ الأوصافِ التي لا تأثيرَ لها في الأحكام، وتحتهُ تشبيهُ الشيءِ بنظيرِهِ وإلحاقُهُ به، وكما أنَّ الممنوعَ منه الصائمُ إنما هو الشُّربُ لا مُقَدمَتهُ، وهو وضع الماء في الفمِ، فكذلك الذي مُنِعَ، إنما هو الجِماعُ لا مُقَدِّمَتُهَ وهي القُبْلَة، فتضمَّنَ الحديثُ قاعدتينِ عظيمتينِ كما ترى.
(ظ/٢٥١ ب) ومن ذلك: قولُه ﷺ وقد سُئلَ عن الحج عن الميت؟ فقال للسائل: "أرَأيْتَ لَوْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أكنْتَ قاضِية؟ " قال: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقّ أنْ يُقْضَى"٤ فتضمَّنَ هذا الحديثُ بيانَ قياس الأوْلى،
(١) (ق وظ): "مانعًا"!.
(٢) في هامش (ق) تعليق أظنه بخط ابن حميد النجدي، قال: "لا حجة فيه؛ لأن التجسُّس على النبي ﷺ ليس كالتجسس على غيره" أهـ. وفي هذا التعليق نظر من جهة أن الجاسوس لا يُقتل باعتبار جسه على شخص بعينه، ولكن باعتبار جسِّه على المسلمين لصالح الكفار.
(٣) أخرجه أحمد: (١/ ٢٨٦ رقم ١٣٨)، وأبو داود رقم (٢٣٨٥)، وابن خزيمة رقم (١٩٩٩)، وابن حبان "الإحسان": (٨/ ٣١٤). وغيرهم، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
(٤) أخرجه البخاري رقم (١٩٥٣)، ومسلم رقم (١١٤٨) من حديث ابن عباس ﵄. ووقع في (ق): "أحق بالقضاء" وهو في بعض روايات الحديث.