وأن دَيْنَ المخلوقِ إذا كان يقبل الوفاءَ مع شحَهِ وضيقه، فدَيْنُ الواسع الكريم تعالى أحقُّ بأن يقبلَ الوفاء، ففي هذا أن الحكمَ إذا ثَبَتَ في محلُّ لأمرٍ، وثمَّ محلّ آخَر أولى بذلك الحكمِ، فهو أولى بثبُوته فيِه. ومقصودُ الشارِع في ذلك التنبيهُ على المعاني والأوصافِ المقتضيَةِ لشَرْعِ الحكْم والعِلل المؤثِّرة، وإلا فما الفائدةُ في ذكر ذلك؟ والحكم ثابتٌ بمجرَّد قوله؟!
ومن ذلك: أنَّ النبيَّ ﷺ أَلحقَ الولدَ في قصة وليدة زَمْعَةَ بعَبْدْ بن زمْعَةَ عملًا بالفِراش القائم، وأَمَر سَوْدَةَ أن تحتجبَ منه١، عملًا بالشَبَهِ المعارِض له، فرتَّبَ على الوصْفينِ حكميهما، وجعله أخًا من وجهٍ دونَ وجهٍ. وهذا من ألطفِ مسالكِ الفقهِ، ولا يهتدي إليه إلَّا خواصُّ أهلِ العلمِ والفهم عن الله ورسوله.
وتأمل قولَه ﷺ في التشهد، وقد علَّمهم أن يقولوا: "السلامُ علينا وعلى عباد الله الصّالحين"، ثمَّ قال: "فَإذا قُلْتُمْ ذلِكَ أصابَتْ كُلَّ عبدٍ صالح للهِ في السماءِ والأرض"٢، كيف قرَّرَ بهذا عمومَ اسم الجمعِ المضاف، وأغنانا ﷺ عن طرق الأصوليين وتَعَسُّفها.
وكذلك قوله ﷺ وقد سئلَ عن٣ زكاة الحُمر، فقال: "لم يَنزلْ عَلَيَّ فيها إلَّا هذهِ الآية الجامِعَة الفاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ "٤.
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٠٥٣)، ومسلم رقم (١٤٥٧) من حديث عائشة ﵂.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٨٣١)، ومسلم رقم (٤٠٢) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) (ق): "قوله عن زكاة ... ".
(٤) أخرجه البخاري رقم (٢٣٧١)، ومسلم رقم (٩٨٧). من حديث أبي هريرة ﵁. والفاذَّة: أي المنفردة في معناها.
فسمَّى الآية جامعة أي: عامَّة شاملةً١، باعتبار اسم الشرط، فدلَ على أن أدواتِ الشرط للعموم، وهذا في مخاطبتِهِ ﷺ ومحاورتِهِ أكثرُ من أن يذكرَ، وإنما يجهله من كلامه ﷺ من لم يُحِطْ به علمًا.
وتأملْ قوله ﷺ للرجل الذي استفتاه عن امرأته، وقد ولدَتْ غلامًا أسودَ، فأنكر ذلك، فقال له النبي ﷺ "ألَكَ إبِلٌ؟ " قال: نعم، قال: "فَما ألْوانُها"؟ قال: سُوْدٌ، قال: "هَلْ فِيها مِنْ أوْرقَ"؟ قال: نعم "قال: "فَأنَّى لهَ ذلِكَ"؟ قال: عسى أن يكونَ نَزْعَةَ عِرْقٍ، قال: "وهذا عَسَى أنْ (ق / ٣٦٢ أ)، يكُونَ نَزْعَةَ عِرْق"٢، كيف تضمَّنَ إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثيرَ له في الحكم، وهو مجرَّد اللَّون، ومخالفة الولد للأبوين فيه، وأنَّ مثل هذا لا يوجب ريبةً، وأنَّ نظيرَهُ في المخلوقات مشاهدٌ بالحسَّ، والله خالقُ الإبَلِ وخالقُ بني آدَمَ، وهو الخلَّاقُ العليمُ، فكما أن الجملَ الأورقَ قد يتولَّدُ من بين أبوينِ٣ أسودينِ، فكذلك الولدُ الأسود قد يتولَّدُ من أبوينِ أبيضينِ، وأنَّ ما جوَّزَ به من سبب ذلك في الإبل، هو بعينِهِ قائمٌ في بني آدَمَ.
فهذه من أصَحَ المناظرات، والإرشادِ إلى اعتبار ما يجبُ اعتبارُهُ من الأوصافِ، وإلغاءِ ما يجِبُ إِلغاؤُه منهما، وأنَّ حكمَ الشيءِ حكمُ نظيرِهِ، وأنَّ العللَ والمعانيَ حقٌّ شرْعًا وقَدَرًا.
(١) (ع): "فسمَّى الآية جامعة لهن، عامة شاملة" وهو وجيه.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٣٠٥)، ومسلم رقم (١٥٠٠) من حديث أبى هريرة ﵁.