الرابع: تكذيبهم فيما تضمَّنَهُ جوابُهم من الإخبارِ عن سَفهِ أهل الإيمانِ.
وخامسٌ -أيضًا -وهو: تكذيبهم فيما تضمَّنَه جوابُهم من دعواهم التَّنزيه٢ من السَّفَهِ.
* ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢﴾[البقرة: ٢١، ٢٢] إلى قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ٢٤﴾[البقرة: ٢٤]، فهذا استدلالٌ في غايةِ الظهور ونهايةِ البيان، على جميع مطالب أصولِ الدِّين؛ مِن إثبات الصَّانع، وصفات كمالِهِ؛ من قدرتهِ وعلمِهِ، وإرادته وحياته، وحكمته وأفعاله، وحدوث العالم، وإثبات نوعَيْ توحيدِهِ تعالى؛ توحيد الرُّبوبيَّة المتضمِّن أنه وحدَه الرَّبُّ الخالق الفاطرُ، وتوحيد الإلهية المتضمَنُ أنه وحده الإلهُ المعبودُ المحبوبُ الذي لا تصلحُ العبادةُ والذُّلُّ والخضوعُ والحُبُّ إلا له.
ثم قرَّر تعالى بعد ذلك إثباتَ نبوَّة رسوله محمد ﷺ أبلغَ تقريرٍ
(١) (ظ): "تسفيههم".
(٢) (ق وظ): "التبرئة".
وأحسنَهُ وأتَمَّهُ وأبعدَه عن المعارض، فثبتَ بذلك صدقُ رسولهِ في كلِّ ما يقوله، وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار، فثبتَ صحَّةُ ذلك ضرورةً، فقرَّرتْ هذه الآياتُ (ق/ ٣٦٣ أ)، هذه المطالبَ كلَّها على أحسن وجهٍ، فصدرها تعالى بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، وهذا خطاب لجميع بني آدَمَ يشتركون كلُّهم في تعلّقِه بهم.
ثم قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فأَمَرَهم بعبادة ربِّهم، وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعيُّ على وجوب عبادَتِهِ؛ لأنه إذا كان ربنا الذي يُرَبِّينا بنعمه١ وإحسانه، وهو مالكُ ذواتِنا ورقابِنا وأنفسنا، وكل ذرَّةٍ من العبد فمملوكةٌ له ملكًا خالصًا٢ حقيقيًا، وقد ربَّاه بإحسانِهِ إليه وإنعامِهِ عليه، فعبادتُهُ له وشكرُهُ إياه وأجبٌ عليه، ولهذا قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ولم يقل: إلهكم. والرّبُّ هو: السَّيِّدُ٣ والمالكُ والمنعِم والمربي والمصلحُ، والله تعالى هو الربّ بهذه الاعتبارات كلِّها، فلا شيءَ أوجبُ في العقول والفِطَرِ من عبادةِ مَنْ هذا شأنُه وحدَه لا شريكَ له.
ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فنبَّه بهذا -أيضًا- على وجوب عبادَتِهِ وحدَه، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجودِ، وأنشأَهم واخترعَهم وحدَه بلا شريك باعترافهم وإقرارهم كما قال في غيرِ موضِعِ من القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[الزخرف: ٨٧]، فإذا كان هو وحدَه الخالقَ، فكيف لا يكون وحدَه المعبودَ؟! وكيف يجعلونَ معه شريكًا في العبادَةِ! وأنتم مقرُّون بأنه لا شَريكَ له في الخَلْق، وهذه