فإن قولَهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ خبرٌ عن غَيْب لا يُعلَمُ إلَّا بالوحي، فإما أن يكونَ قولًا على الله بلا علمٍ فيكون كاذبًا، وإما أن يكون مستندًا إلى وحي من الله وعهدٍ عَهِدَهُ إلى المخبر، وهذا منتفٍ قطعًا، فتعيَّنَ أن يكونَ خبرًا كاذبًا قائلُه كاذبٌ على الله تعالى.
فهذه حجةٌ من الله احتجَّ بها على أهل الكتاب، فإنه كان قد أخذ عليهم الميثاق أن لا يقتل بعضُهم بعضًا، ولا يجلِيه عن دياره، وأن يفدي (ق/٣٦٨ أ) بعضُهم بعضًا من الأسْر، فهذه ثلاثُ عهودٍ خالفوا منها عهدينِ، وأخذوا بالثالثِ، فَقَتَلَ بعضُهم بعضًا، وأخرجه من ديارِه، ثم فادوا أَسْرَاهم؛ لأنَّ الله أمرهم بذلك، فإن كنتم قد فادَيتم الأُسارى لأنَّ الله أمركم بفدائِهم، فلِمَ قتلتم بَعْضَكم بعضًا، وأخرجتموهم من ديارِهم، والله قد نهاكم عن ذلك؟! والأخْذُ ببعض الكتاب يوجبُ عليكم الأخذَ بجميعِه، فكيف تكفرون ببعضِ الكتاب وتؤمنونَ ببعض؟ ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٨٥﴾.
فصل
* ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ
اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧] فهذا هو الذي: تسمَّيه النُّظّارُ والفقهاءُ: "التَّشَهِّي والتَّحَكُم"، فيقول أحدُهم لصاحبه: لا حُجَّةَ لكْ على ما ادَّعَيْتَ سوى التّشَهِّي والتَّحَكُم الباطل، فإن جاءَك ما لا تشتهيه دفعتَه ورددتَه. وإن كان القولُ موافقًا لما تهواهُ وتشتهيهِ إما من تقليدِ من تعظمُهُ أو موافقةِ ما تريدُهُ قَبلْتَهُ واخترته١ فتردُّ ما خالفَ هواك وتقبَل ما وافقَ هواك.
وهذا الاحتجاجُ والذي قبله مفحِمانِ للخصم، لا جوابَ له عنهما٢ ألبتَّةَ، فإن الأخذ ببعض الكتاب يوجبُ الأخذ بجميعه، والتزام بعضِ شرائعه يوجبُ التزامَ جميعِها، ولا يجوز أن تكون الشرائعُ تابعةً للشهَوات، إذ لو كان الشرْعُ تابعًا للهوى والشَّهْوة لكان في الطباع ما يُغني عنه، وكانت شهوةُ كلِّ أحد وهواه شرعًا له: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾[المؤمنون: ٧١].
فهذه حجَّةٌ أخرى على اليهودِ في تكذيبِهم بمحمد ﷺ، فإنهم كانوا يحاربون (ظ/٢٥٦ أ) جيرانَهم من العرب في الجاهليَّة، ويستنصِرُون عليهم بالنبي ﷺ قبلَ ظهورِه، فيُفْتَحُ لهم ويُنصَرُونَ، فلما ظهر النبي ﷺ كفروا به، وجحدوا نبوَّتهُ، فاستفتاحُهم به وجَحْدُ نبوته مما لا