بدائع الفوائد

أوسط الجهات قبلة لتعبدهم فكذلك جعلهم أمة وسطًا فاختار القبلة الوسط في الجهات للأمة الوسط في الأمم، ثم ذكر أن هذا التفضيل والاختصاص ليستشهدهم على الأمم فيقبل شهادتهم على الخلائق يوم القيامة، ثم أجاب -تعالى- عما سأل عنه المؤمنون من صلاتهم إلى القبلة الأولى، وصلاة من مات من إخوانهم قبل التحويل فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وفيه قولان:

أحدهما: ما كان الله ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس، بل يجازيكم عليها؛ لأنها كانت بأمره ورِضاه.

والثاني: ما كان ليضيع إيمانكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم بأن الله شرعها ورضيها.

وأكثر السلف والخلف على القول الأول وهو مستلزم للقول الآخِرِ١.

ثم ذكر منته على رسوله، واطلاعه على حرصه على تحويله عن قبلته الأولى، فقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].

ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب بأنهم يعلمون (ق / ٣٧٥ ب) أنه الحق من ربهم، ولم يذكر للضمير مفسِّرا غير ما في السياق، وهو الأمر باستقبال المسجد الحرام وأن أهل الكتاب عندهم (ظ / ٢٦٠ ب) من علامات هذا النبي أن يستقبل بيت الله الذي بناه إبراهيم في صلاته،

  1. (١) انظر "تفسير الطبرى": (٢/ ١٩ - ٢١).
1585

ثم أخبر تعالى عن شدَّة كفر أهل الكتاب بأنهم لو أتاهم الرسول بكلِّ آية ما تبعوا قبلته. ففي ذلك التسلية له، وتركهم وقبلتهم.

ثم بَرَّأهُ من قبلتهم فقال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥]، ثم ذكر اختلافهم في القبلة، وأن كل طائفة منهم لا تتبع الطائفة الأخرى؛ لأن القبلة من خواصِّ الدين وأعلامه وشعائره الظاهرة، فأهل كل دين لا يفارقون قبلتهم، إلا أن يفارقوا دينهم.

فأخبر تعالى في هذه الجُمل الثلاث بثلاث إخبارات، تتضمَّن براءة كل طائفة من قبله الطائفة الأخرى، وتتضمن الأخبار بأن أهل الكتاب لو رأوا كل آية تدل على صدق الرسول لما تبعوا قبلته، عنادًا وتقليدًا لآبائهم، وأنهم إن اشتركوا في خلاف القبلة الحق، فهم مختلفون في باطلهم، فلا تتبع طائفة قبلة الأخرى، فهم متفقون على خلاف الحق، مختلفون اختيار الباطل.

وفي هذه الآية أيضا تثبيت للرسول ﷺ وللمؤمنين على لزوم

قبلتهم، وأنه لا يشتغل بما يقوله أهل الكتاب: "ارجعوا إلى قبلتنا فنتبعكم على دينكم" فإن هذا خداع ومكرٌ منهم، فإنهم لو رأوا كلَّ آية تدل على صدقك ما تبعوا قبلتك؛ لأن الكفر قد تمكن من قلوبهم، فلا مطمع للحق فيها، ولست أيضا بتابع قبلتهم، فليقطعوا مطامعهم من موافقتك لهم وعودك إلى قبلتهم١، وكذلك هم أيضا مختلفون فيما بينهم، فلا يتبع أحد منهم٢ قبلةَ الآخر، فهم مختلفون في القبلة، ولستم أيها المؤمنون موافقين لأحد منهم في قبلته، بل

  1. (١) "فليقطعوا مطامعهم من موافقتك لهم وعودك إلى قبلتهم" سقطت من (ق).
  2. (٢) (ظ): "أحدهم".
1586

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي