مشتملا على الحق، فالحق سابق لخلقها، مقارن له، غاية له، ولهذا أتى بالباء الدالة على هذا المعنى دون اللام المفيدة لمعنى الغاية وحدها، فالباء مفيدة معنى اشتمال خلقها على الحق السابق والمقارن والغاية.
فالحق السابق: صدور ذلك عن علمه وحكمته، فمصدر خلقه تعالى وأمره عن كمال علمه وحكمته، وبكمال هاتين الصفتين يكون المفعول الصادر عن الموصوف١ بهما حكمه كله، ومصلحة وحقا٢، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ٦﴾[النمل: ٦]، فأخبر أن مصدر التلقي عن علم المتكلم وحكمته٣، وما كان كذلك كان صدقا وعدلا، وهدى وإرشادا، وكذلك قالت الملائكة لامرأة إبراهيم حين قالت: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ ٢٩ قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ٣٠﴾٤[الذاريات: ٢٩]، وهذا راجع إلى قوله وخلقه، وهو خلق الولد لها على الكبر.
وأما مقارنة الحق لهذه المخلوقات: فهو ما اشتملتْ من الحكم والمصالح والمنافع والآيات الدالة للعباد (ق / ٣٧٧ أ) على إلههم ووحدانيته وصفاته، وصدق رسله، وأن لقاءه حق لا ريب فيه، ومن نظر في الموجودات ببصيرة قلبه، رآها كالأشخاص الشاهدة الناطقة
(١) (ظ): " الوصف".
(٢) (ق): "كليه ومصلحه وحق".
(٣) من قوله: "ومصلحة وحقًا ... " إلى هنا ساقط من (ظ).
(٤) في الأصول: "أألدُ وأنا عجوز عقيم قالوا كذلك ... "! وليس في القرآن آية بهذا السياق، ففى هود: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا ...﴾[هود: ٧٢]، وأثبتنا ما: في سورة الذاريات لأنه أقرب إلى سياق المؤلف.
بذلك، بل شهادتُها أتم من شهادة الخبر المجرد؛ لأنها شهادة حال لا يقبل كذبا، فلا يتأمل العاقل المستبصر مخلوقا حق تأمله، إلا وجده دالا١ على فاطره وبارئه، وعلى وحدانيته، وعلى كمال صفاته وأسمائه، وعلى صدق رسله، وعلى أن لقاءه حق لا ريب فيه.
وهذه طريقة القرآن في إرشاده الخلق إلى الاستدلال بأصناف المخلوقات وأحوالها على إثبات الصانع، وعلى التوحيد والمعاد والنبوات، فمرة يخبر أنه لم يخلق خلقه باطلا ولا عبثا، ومرة يخبر أنه خلقهم بالحق، ومرة يخبرهم وينبههم على وجوه الاعتبار، والاستدلال بها على صدق ما أخبرت به رسله حتى يبين لهم أن الرسل إنما جاؤوهم بما يشاهدون أدلة صدقة، وبما لو تأملوه لرأوه مركوزًا في فطرهم، مستقرا في عقولهم، وأن ما يشاهدونه من مخلوقاته شاهد بما أخبرت به رسله عنه، من أسمائه وصفاته، وتوحيده ولقائه، ووجود ملائكته، وهذا باب عظيم من أبواب الإيمان، إنما يفتحه الله على من سبقت له منه سابقة السعادة، وهذا أشرف علم يناله العبد في هذه الدار.
وقد بينت في موضع آخر٢ أن كل حركة تشاهد على اختلاف أنواعها، فهي دالة على التوحيد والنبوات والمعاد، بطريق سهلة واضحة برهانية، وكذلك ذكرت في "رسالة إلى بعض الأصحاب"٣
(١) (ق): "شاهدًا دالا".
(٢) انظر "مفتاح دار السعادة": (٢/ ٥ - فما بعدها).
(٣) لم أعثر على هذه الرسالة، ولم يذكرها أحد، وطبعت للمؤلف رسالة بعنوان: "رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه"؛ لكن ليس فيها ما ذكره المؤلف هنا، فلعلها رسالة أخرى.