فهذا كلُّه من الحق الذي خلقت به السموات والأرض وما بينهما، وهو حق مقارن لوجود هذه المخلوقات، مسطور في صفحاتها، يقرؤه كل موفق١ كاتب وغير كاتب، كما قيل:
وأما الحق الذي هو غاية خلقها: فهو غاية تراد من العباد، وغاية تراد بهم.
فالتي تراد منهم: أن يعرفوا الله تعالى وصفات كماله ﷿،
وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئا، فيكون هو وحده إلههم ومعبودهم، ومطاعهم ومحبوبهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ١٢﴾
[الطلاق: ١٢] فأخبر أنه خلق العالم ليعرف عباده كمال قدرته وإحاطة علمه، وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦﴾
[الذاريات: ٥٦]، فهذه الغاية هي المرادة من العباد، وهي أن يعرفوا ربهم ويعبدوه وحده.
وأما الغاية المرادة بهم: فهي الجزاء بالعدل والفضل والثواب والعقاب، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ٣١﴾
[النجم: ٣١]، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ١٥﴾
[طه: ١٥]، وقال تعالى:
- (١) غير محررة في (ق وظ) ويشبه أن تكون: "موقن".
- (٢) ذكر المؤلف هذين البيتين في عدد من كتبه، ولم ينسبه، انظر: "مفتاح دار السعادة": (٢/ ٤٥٧، ٣/ ١٧٨).