بدائع الفوائد

الإيمان بالله ورسوله١، ودينه وشرعه، وثوابه وعقابه، والتوسُّل إليه بطاعته، والإيمان به، وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل قطرةٌ من بحر لا ساحل له، فلا تستَطِله، فإنه كنز من كنوز العلم، لا يلائم كل نفس، ولا يقبله كل محروم، والله يختص برحمته من يشاء.

ولنرجع إلى ما كنا بصدده من الكلام في ذكر محاجَّة أهل الباطل للمسلمين في القبلة، ونصر الله لهم بالحجة عليهم، وقد رأيت لأبي القاسم السهيلي في الكلام على هذه الآيات فصلا أذكره بلفظه٢، قال في قول النبي ﷺ للبراء بن معرور: "قد كنت على قبلة لو صبرت عليها"٣ = يعنى لما صلى إلى الكعبة قبل الأمر بالتوجه إليها، ولم يأمره بالإعادة؛ لأنه كان متأولا.

قلت٤: ونظير هذا أنه لم يأمر من أكل في نهار رمضان بالإعادة، لما ربط الخيطين في رجليه وأكل حتى يتبينا له٥؛ لأجل التأويل.

ونظيره: أنه لم يأمر أبا ذر بإعادة ما ترك من الصلاة مع الجنابة؛ إذ لم يعرف شرع التيمم للجنب، فقال يا رسول الله إني تصيبني

  1. (١) (ع): "برسوله" بدل "بالله ورسوله".
  2. (٢) في كتابه: "الروض الأُنُف": (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١).
  3. (٣) أخرجه أحمد: (٢٥/ ٨٩ - ٩٥ رقم ١٥٧٩٤)، وابن حبان "الإحسان": (١٥/ ٤٧١)، والطبراني في "الكبير": (١٩/ ٨٧)، من حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة بيعة العقبة.
    كلهم من طريق محمد بن إسحاق (السيرة ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، وقد صرح بالتحديث، فسلم من التدليس.
  4. (٤) هذا التعليق بطوله لابن القيم ﵀.
  5. (٥) هو: عدي بن حاتم ﵁، والحديث أخرجه البخاري رقم (١٩١٦)، ومسلم رقم (١٠٩٠).
1598

الجنابة فأمكث الشهر والشهرين لا أصلي -يعني: في البادية- قال: "فأين أنت عن التيمم"١.

ونظيره أيضًا: أنه لم يأمر المستحاضة (ظ / ٢٦٢ ب) بالإعادة، وقد قالت: إني أستحاض حيضة شديدة، وقد منعتني الصوم والصلاة، فأمرها أن تجلس أيام الحيض ثم تصلي٢، ولم يأمرها بإعادة ما تركت.

ونظيره أيضا: أنه لم يأمر المسئ في صلاته بإعادة ما تقدم له من الصلوات التي لم تكن صحيحة، وإنما بالإعادة في الوقت؛ لأنه لم يؤد فرض وقته مع بقائه، بخلاف ما تقدم له٣.

ونظيره أيضا: أنه لم يأمر (ق / ٣٧٩ ب) المتمعك في التراب كما تتمعك الدابة لأجل التيمم٤ بالإعادة، مع أنه لم يصب فرض التيمم.

ونظيره أيضًا: أنه لم يأمر معاوية بن الحكم السلمي بإعادة الصلاة، وقد تكلم فيها بكلام أجنبيٍّ ليس من مصلحتها٥

  1. (١) لم أره بهذا اللفظ، والحديث أخرجه أحمد: (٣٥/ ٢٣٠ - ٢٣١ رقم ٢١٣٠٤)، وأبو داود رقم (٣٣١)، والترمذي رقم (١٢٤)، والنسائي: (١/ ١٧١)، وابن حبان "الإحسان": (٤/ ١٣٥ - ١٣٦)، من حديث أبى ذر ﵁ في قصة، وفيها أن النبي ﷺ قال له: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمِسه جلدَك، فإن ذلك خير".
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم (٣٠٦)، ومسلم رقم (٣٣٣) من حديث عائشة﵂-.
  3. (٣) أخرجه البخاري رقم (٧٩٣)، ومسلم رقم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
  4. (٤) أخرجه البخاري رقم (٣٣٨)، ومسلم رقم (٣٦٨) من حديث عمار بن ياسر ﵄.
  5. (٥) أخرجه مسلم رقم (٥٣٧).
1599

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي