بدائع الفوائد

ونظيرُه أيضًا: أنه لم يضمن أسامة قتيله بعد إسلامه بقصاصٍ ولا ديةٍ ولا كفارةٍ١.

ولا تجد هذه النظائر مجموعة في موضع، فالتأويل والاجتهاد في إصابة الحق، منع في هذه المواضع من الإعادة والتضمين.

وقاعدة هذه الباب: أن الأحكام إنما تثبت في حق العبد بعد بلوغه هو، وبلوغها إليه، فكما٢ لا يترتب في حقه قبل بلوغه هو، فكذلك لا يترتب في حقه قبل بلوغها إليه، وهذا مجمع عليه في الحدود، أنها لا تقاوم إلا على من بلغه تحريم أسبابها، وما ذكرناه من النظائر يدل على ثبوت ذلك في العبادات والحدود.

ويدل عليه أيضا في المعاملات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فأمرهم تعالى أن يتركوا ما بقي من الربا، وهو ما لم يقبض، ولم يأمرهم بردِّ المقبوض؛ لأنهم قبضوه قبل التحريم، فأقرهم عليه، بل أهل قباء صلوا إلي القبلة المنسوخة بعد بطلانها، ولم يعيدوا ما صلوا، بل استداروا في صلاتهم وأتمُّوها، لأن الحكم لم يثبت في حقهم إلا بعد بلوغه إليهم، وفي هذا الأصل ثلاثة أقوال للفقهاء وهي لأصحاب أحمد:

هذا أحدها، وهو أصحها، وهو اختيار شيخنا٣ ﵁.

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (٤٢٦٩)، ومسلم رقم (٩٦) من حديث أسامة بنْ زيد ﵁.
  2. (٢) (ق): "مع أنه".
  3. (٣) انظر: "مجموع الفتاوي": (٢١/ ١٦٠ - فما بعدها).
1600

الثاني: أن الخطاب إذا بلغ طائفة ترتب في حق غيرهم، ولزمهم كما لزم من بلغه، وهذا اختيار كثير من أصحاب الشافعي وغيرهم.

الثالث: الفرق بين الخطاب الابتدائي والخطاب الناسخ، فالخطاب الابتدائي يعم ثبوته من بلغه وغيره، والخطاب الناسخ لا يترتب في حق المخاطب إلا بعد بلوغه، والفرق بين الخطابين: أنه في الناسخ مستصحب لحكم مشروع مأمور به، بخلاف الخطاب الابتدائي، ذكره القاضي أبو يعلي في بعض كتبه، ونصوص القرآن والسنة تشهد للقول الأول، وليس هذا موضع استقصاء هذه المسألة، وإنما أشرنا إليها إشارة.

قال أبو القاسم١: وفي الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس، وهو قول ابن عباس يعني: قوله للبراء: "لقد كنت على قبلة"٢، وقالت طائفة: ما صلى إلى بيت المقدس إلا مذ قدم المدينة سبعة (ق / ٣٨٠ أ) عشر شهرا، أو ستة عشر شهرا. فعلى هذا يكون في القبلة نسخان، نسخ سنة بسنة، ونسخ سنة بقرآن وقد بين حديث ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة، فروى عنه من طرق صحاح أن رسول الله ﷺ "كان إذا صلى بمكة استقبل بيت المقدس، وجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس"٣، فلما كان ﷺ يتحرى القبلتين جميعا لم يبن توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة؛ ولذلك -والله أعلم- قال الله تعالى في الآية الناسخة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] أي:

  1. (١) أى السهيلي في "الروض الأنف" كما تقدم.
  2. (٢) تقدم قريبًا.
  3. (٣) انظر "فتح الباري": (١/ ١١٩).
1601

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي