فإذا أضفت وزالت [عِلَّة]٢ التنوين، رجعت الحروف المحذوفة، وكان الإعراب فيها مقدَّرًا كما هو مقدر في الأسماء المقصورة، وقال بهذا بعض النحاة.
قال: والأمر فيها عندي أنها علامات إعراب، وليست حروف إعراب، والمحذوف منها لا يعود إليها في الإضافة، كما٣ لا يعود المحذوف من "يد" و"دم". وبُرهان ذلك أنك تقول: أخي وأبي، إذَا أضفت إلى نفسك، كما تقول: يدي ودمي؛ لأنَّ حركات الإعراب لا تجتمع مع ياء المتكلم، كما تجتمع٤ معها واو الجمع، فلو كانت الواو في "أخوك" حرف إعراب لقلت في الإضافة إلى نفسك: هذا أخيَّ، كما تقول: هؤلاء مسلميّ، فتدغم الواو في "الياء" لأنها حرف إعراب عند سيبويه٥، وهي عند غيره علامات إعراب٦، فإذا كانت واو الجمع تَثبتُ مع ياء المتكلم، وهي٧ زائدة، وهي عند غيره علامة إعراب، فكيف يحذف "لام" الفعل وهي٨ أحقّ بالثبات منها!؟ فقد وضح لك أنها ليست الحروف المحذوفة الأصلية.
(١) البيت غير منسوب في "الخزانة": (٨/ ١٠٩)، و"العقد الفريد": (٢/ ٢٥٣).
(٦) وهم الكوفيون، انظر "الإنصاف": (١/ ٢٥٨) للأنباري.
(٧) (ظ ود): "وهي غير".
(٨) من (ق).
فإن قيل: فلِمَ أعرْبت بالحروف؟ ولِمَ أُعِلَّت بالحذف دون القلب، خلافًا لنظائرها مما علّته كعلَّتها، وهي الأسماء المقصورة؟.
قلنا: في ذلك جوانب لطيف، وهو: أن اللفظ جَسَد، والمعنى رُوح، فهو تَبَع له في صحته واعتلاله، والزيادة فيه والنقصان منه، كما أن الجسد مع الروح كذلك؛ فجميع ما يعتري اللفظ من زيادة أو حذف، فإنما يكون١ بحسب ما يكون في المعنى، اللهم إلا أن يكثر استعمال كلمة، فيحذف منها تخفيفًا على اللسان، لكثرة دورها فيه، ولعلم المخاطب بمعناها، كقولهم: "أَيْشٍ" في "أي شيء"، و"لم أُبَلْ"٢.
وهذه الأسماء الخمسة مضافة في٣ المعنى، فإذا قُطِعَتْ عن الإضافة وأُفْرِدت نقص المعنى، فنقصى اللفظ تبعًا له، مع أنّ أواخرها حروف علّة، فلابدّ من تغييرها إما بقلب وإما بحذف، وكان الحذفُ فيها أولى، كما قدمنا وكان ينبغي على هذا أن يتمَّ لفظها في حال الإضافة كما تمَّ معناها، إلا أَنهم كرهوا أن يُخلوا "الخاء" من أخ، و"الباء" من أب من الإعراب الحاصل فيها؛ إذ ليس في الكلام ما يكون حرف إعراب في حال الإفراد دون الإضافة؛ فجمعوا بين الغرضين، ولم يبطلوا أحدَ القياسين، فمكنوا الحركات التي هي علامات الإعراب في الإفراد؛ فصارت حروف مدٍّ ولينٍ في الإضافة، وقد تقدَّم أن الحركة بعض الحرف، فالضمَّة: التي في قولك: "أخٌ"، هي بعينها علامة الرفع٤