بدائع الفوائد

اليهود؛ لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم. وأهلُ الرَّيب والنفاق اشتد إنكارُهم له؛ لأنه كان أول نسخ نزل. وكفار قريشٍ قالوا: ندم محمدٌ على فراق ديننا، فسيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا، وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون: يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل، وقد فارق قبله إبراهيم وإسماعيل وآثر عليها قبلة اليهود، فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] على الاستثناء المنقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون. وقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ١٤٧﴾ [البقرة: ١٤٧] أي: من الذين شكوا وامتروا.

ومعنى ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧] أي: الذي أمَّرتك به من التوجه إلى بيت الحرام هو الحق، الذي كان عليه الأنبياء قبلك فلا تمتر في ذلك، فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٤٦﴾ [البقرة: ١٤٦]، أي: يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء.

ثم ساق من طريق أبي داود في كتاب "الناسخ والمنسوخ"١. قال حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة٢، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: كان سليمان بن عبد الملك لا يعظم إيلياء كما يعظِّمها أهل بيته، قال: فسرت معه وهو ولي عهد، قال: ومعه خالد بن يزيد بن معاوية، فقال سليمان وهو جالس فيه: والله إن في هذه القبلة

  1. (١) ساقه السُّهيلي بإسناده إلى أبي داود.
  2. (٢) عَنبَسة بن خالد بن يزيد الأيلي، متكلم فيه، وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق"، وتُحْتَمل روايتُه في مثل هذا الخبر.
1604

التي صلَّى إليها المسلمون والنصارى لعجبا -كذا رأيته١ والصواب: اليهود- قال خالد بن يزيد: أما والله إني لأقرأ الكتاب الذي أنزله الله علي محمد ﷺ، (ق / ٣٨١ أ) وأقرأ التوراة فلم تجدْها اليهود في الكتاب الذي أنزله الله عليهم، ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة، فلما غضب الله ﷿ على بني إسرائيل رفعه، فكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهم.

وروى أبو داود أيضا: أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو العالية: إن موسى كان يصلي عند الصخرة، ويستقبل البيت الحرام، فكانت الكعبة قبلته، وكانت الصخرة بين يديه. وقال اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبي ﷺ، فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبة٢. وأخبر أبو العالية أنه رأى مسجد ذى القرنين، وقبلته الكعبة٣. انتهى.

قلت: وقد تضمن هذا الفصل فائدة جليلة، وهي: أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحي والتوقيف من الله، بل كان عن مشورة منهم واجتهاد.

أما النصارى؛ فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق أبدا، وهم مقرُّون بذلك، ومقرُّون أن قبله المسيح كانت قبلة بني إسرائيل، وهي الصخرة، وإنما وضع لهم شيوخهم وأسلافهم هذه القبلة، وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح

  1. (١) وهذا كذلك في مطبوعة "الروض".
  2. (٢) ما بعده من (ق وظ).
  3. (٣) وانظر "تفسير الطبري": (٢/ ٣٤)، والقرطبي: (٢/ ١٠٢).
1605

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي