فوَّض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام، وأن ما حلَّلوه وحرَّموه فقد حلله هو وحرمه في السماء، فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال المشرق١ على لسان رسوله أبدا، والمسلمون شاهدون عليهم بذلك.
وأما قبلة اليهود؛ فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة ألبتَّةَ، وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة.
وأما السامرةُ٢؛ فإنهم يصلُّون إلى طور لهم بأرض الشام٣ ويعظمونه ويحُجُّون إليه، ورأيته أنا وهو في بلد نابُلُسَ، وناظرتُ فضلاءهم في استقباله، وقلت: هو قبلة باطلة مبتدعة، فقال مشار إليه في دينهم: هذه هي القبلة الصحيحة، واليهود أخطأوها؛ لأن الله تعالى أمر في التوراة باستقباله عينا، ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة في استقباله.
فقلت له: هذا خطأ قطعا على التوراة؛ لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل، فهم المخاطبون بها، وأنتم فرع عليهم فيها، وإنما تلقيتموها عنهم، وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم، وأنا رأيتها، وليس هذا فيها.
فقال لي: صدقت، إنما هو في توراتِنا (ق /٣٨١ ب) خاصة.
قلت له: فمن المحال (ظ /٢٦٣ ب) أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها، وهم الذين تلقوها عن الكليم، وهم متفرِّقون في أقطار الأرض، قد كتموا هذا النص، وأزالوه، وبدلوا القبلة التي أمروا بها، وحفظتموها أنتم، وحفظتم النص بها. فلم يرجع إلى بجواب١.
قلت: وهذا كله مما٢ يقوى أن يكون الضميرُ في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾[البقرة: ١٤٨] راجعا إلى "كل" أي: هو موليها وجهه، ليس المراد أن الله موليه إياها؛ لوجوهٍ؛ هذا أحدها.
الثاني: أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه في الآية، وإن كان مذكورًا فيما قبلها، ففي إعادة الضمير إليه تعالى دون "كل" رد الضمير إلى غير من هو أولى به، ومنعه من القريب منه الأحق به٣.
الثالث: أنه لو عاد الضمير عليه تعالى لقال: "هو مولِّيه إياها"، هذا وجه الكلام، كما قال تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾[النساء: ١١٥]، فوجه الكلام أن يقال: ولاه القبلة، لا يقال ولى القبلة إياه، فتأمله.
وقول أبي القاسم: أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثًا، ردًا على الطوائف الثلاث؛ ليس بالبين ولا في اللفظ إشعار بذلك، والذي يظهر فيه" إنه أمر به في كل سياق لمعنى يقتضيه.