فأخبر عن بطلان هذه الحُجَّة، وأنها لا تنجني من عذاب الله؛ لأنَّ تقليد من ليس عنده علمٌ ولا هدىً من الله ضلالةٌ وسفَهٌ، والمعنى: ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يقلِّدونهم، ولو كانوا لا علم عندهم ولا هدىً يقلدونهم أيضًا، وهذا شأن من لا غرض له في الهدى، ولا في اتباع الحق، إن غرضه بالتقليد إلا دفع الحقِّ (ق / ٣٨٢ ب) والحجة إذا لزمته؛ لأنه لو كان مقصوده الحق لاتبعه إذا ظهر له، وقد جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم، فلو كنتم ممن يتبع الحق لأتبعتم ما جئتكم به، فأنتم لم تقلدوا (ظ / ٢٦٤ أ) الآباء لكونهم على حقٌّ، فقد جئتكم أهدى مما وجدتموهم عليه، وإنما جعلتم تقليدهم جُنةً لكم، تدفعون بها الحق الذي جئتكم به. تمت الفصول٢.
(١) هذه الآية زيادة من (ق وظ).
(٢) من (ق).
فائدة
ليس من شرط الدليل اندراجه تحتَ قضية كليةٍ يكون بها جزءًا من قياس شمول١، ولا استلزامه نظيرًا يكون به قياس تمثيلٍ، بل يجوز كونه معينًا مستلزمًا لثبوتٍ معينٍ، وإنما شرطه اللزوم فيما كان بينهما تلازمٌ شرعًا أو عقلًا أو عادةً استدل فيه بثبوت الملزوم على ثبوت لازمه، وبنفي اللازم على نفي ملزومه، فكل ملزوم دليلٌ على لازمه، والعلم بدلالته متوقف على العلم به، وعلى العلم بلزومه٢، ولهذا كانت أدلَّة التوحيد والمعاد والنبوات التي في القرآن آيات ودلالات معيَّناتٍ مستلزمةً لمدلولها بنفسها، من غير احتياجٍ إلى اندراجها تحت قضيةٍ كلية، فالمخلوقات جميعها وما تضمَّنته من التخصيصات والحكم والغايات مستلزمةٌ للخالق سبحانه عينًا، بخلاف ما يزعم كثيرٌ من النُّظَّار أنه دليلٌ لقولهم: "كلُّ ممكنٍ مفتقرٌ إلى واجب، وكلُّ محدث مفتقرٌ إلى محدثٍ"، فإنَّ هذه القضية الكليَّة بعد تعبهم٣ في تقريرها ودفع ما يعارضها، لا يدلُّ على مطلوبٍ معينٍ وخالقٍ معينٍ، إنما يدلُّ على واجبٍ ومحدثٍ ما.
وأما آياته سبحانه وأدلَّة توحيده، وما أخبر به من المعاد وما نصبه٤ من الأدلَّة لصدق رسله، فلا يفتقر في كونها آياتٍ إلى قياس شموليٍّ ولا تمثيليٍّ، وهي مستلزمةٌ لمدلولها عينًا، والعلم بها مستلزمٌ
(١) (ق): "شمولي".
(٢) من قوله: "فكل ملزوم ... " إلى هنا ساقط من (ق).