بدائع الفوائد

فإن قيل: فلِمَ أعرْبت بالحروف؟ ولِمَ أُعِلَّت بالحذف دون القلب، خلافًا لنظائرها مما علّته كعلَّتها، وهي الأسماء المقصورة؟.

قلنا: في ذلك جوانب لطيف، وهو: أن اللفظ جَسَد، والمعنى رُوح، فهو تَبَع له في صحته واعتلاله، والزيادة فيه والنقصان منه، كما أن الجسد مع الروح كذلك؛ فجميع ما يعتري اللفظ من زيادة أو حذف، فإنما يكون١ بحسب ما يكون في المعنى، اللهم إلا أن يكثر استعمال كلمة، فيحذف منها تخفيفًا على اللسان، لكثرة دورها فيه، ولعلم المخاطب بمعناها، كقولهم: "أَيْشٍ" في "أي شيء"، و"لم أُبَلْ"٢.

وهذه الأسماء الخمسة مضافة في٣ المعنى، فإذا قُطِعَتْ عن الإضافة وأُفْرِدت نقص المعنى، فنقصى اللفظ تبعًا له، مع أنّ أواخرها حروف علّة، فلابدّ من تغييرها إما بقلب وإما بحذف، وكان الحذفُ فيها أولى، كما قدمنا وكان ينبغي على هذا أن يتمَّ لفظها في حال الإضافة كما تمَّ معناها، إلا أَنهم كرهوا أن يُخلوا "الخاء" من أخ، و"الباء" من أب من الإعراب الحاصل فيها؛ إذ ليس في الكلام ما يكون حرف إعراب في حال الإفراد دون الإضافة؛ فجمعوا بين الغرضين، ولم يبطلوا أحدَ القياسين، فمكنوا الحركات التي هي علامات الإعراب في الإفراد؛ فصارت حروف مدٍّ ولينٍ في الإضافة، وقد تقدَّم أن الحركة بعض الحرف، فالضمَّة: التي في قولك: "أخٌ"، هي بعينها علامة الرفع٤

  1. (١) في "النتائج": "هو".
  2. (٢) (د). "لم أبالِ".
  3. (٣) (ظ ود): "إلى".
  4. (٤) سقطت من (ق).
70

في "أخوك" إلا أن الصوت١ بها يمد، ليتمِّموا اللفظ كما تَمموا المعنى بالإضافة إلى ما بعد الاسم، ولم يحتاجوا مع تطويل حركات الإعراب إلى إعادة ما حُذِف من الكلمة رأسًا؛ كما لا يُعَاد محذوف "يد ودم".

وأما التثنية؛ فإنهم صحَّحوا اللفظ فيها بإعادة المحلوف تنبيهًا على الأصل، وهو الانقلاب إلى ألف، فقالوا: "أخوان" و"أَبوان"، كما قالوا: عصوان [ورجَوَان]٢؛ لأن قياسه في الأصل كقياسه بخلاف "يد" و"دم "، فإن أصلهما: "يَدْيٌ ودَمْيٌ"٣، فلم يكن بابها كباب "عَصَى" و"رجا"، فاستمر الحذف فيهما في التثنية والإفراد.

فإن قيل: فلم لا يعود المحذوف٤ في "ابن" في تثنيةٍ ولا إضافة؟.

قيل: لأنهم عوَّضوا من المحذوف ألف الوصل في "ابن واسم"، فَلَمْ يجمعوا بين العِوَض والمعوَّض، بخلاف "أخ وأب"، ومَنَعهم أن يعوضوا من المحذوف في "أخ وأب" الهمزة التي في أولهما فِرارًا٥ من اجتماع همزتين.

وأما "حم" فأصله حَمَأٌ بالهمزة، فلم يكونوا ليعوضوا من الهمزة همزة أخرى، فجعلوه كأخٍ وأبٍ.

  1. (١) (ظ ود): "المصوّت".
  2. (٢) (ظ ود): "عضوان وبطوان" و(ق): "ومطوان" ولعل الصواب ما أثبت بدليل ما بعدها، والرجوان مثنى: رجا، وهو ناحية البئر.
  3. (٣) أجمعوا على سكون الدال من "يَدْي" واختلفوا في الميم بن (دَمَْي)، فقيل: بالفتح وقيل: بالسكون.
  4. (٤) سقطت من (ظ ود).
  5. (٥) (ظ ود): "أولها فروا".
71

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي