وأصل هذه الكلمات: "مشيوبٌ ومميوتٌ ومنيولٌ"، فحذفوا واو "مفعول" وبقُّوا عين الفعل، ولا يجوز أن تكون المحذوفة اللام، وواو "مفعول" هي الباقية المنقلبة ياءً؛ لأنَّ واو "مفعول" إنما تقلب ياءً إذا اعتلَّت لام الفعل؛ كـ "مرمىٍّ ومقضيٍّ مقضيٍّ عليه"، وإلَاّ فإذا كانت لام الفعل صحيحةً بقيت واو "مفعول" على حالها؛ كـ"مضروب ومقتول".
ورجِّح قول الأخفش بأنَّ واو "مفعول" جاءت لمعنى، فحذفها مخلٌ بما جاءت لأجله، ألا ترى أنهم يقولون: "مررت بقاضٍ" فيحذفون الياء الأصليَّة ويبقون التنوين؛ لأنه جاء لمعنىً.
ورجِّح أيضًا بأن العين قد أعلَّت في: "قال وباع، وقيل وبيع، ومبيع ومقولٍ" فلما اعتلَّت بالإسكان والقلب اعتلَّت بالحذف، وواو "مفعول" لم ينقلب من شيء ولم يعتلَّ في الفعل، فكان إبقاؤها وحذف المعتلِّ أوجب، وأيضًا فإن العين في "مقول ومبيع" حذفت في قولهم: "قل وبع" فلما حذفت هاهنا كانت أولى بالحذف في "مقول ومبيع".
ولمن نصر قول الخليل أن يقول: الساكنان إذا التقيا في كلمةٍ واحدةٍ حُرِّك الثاني منهما، فكذلك إذا حذف أحد الساكنين من كلمةٍ يحذفُ الآخر منهما.
ولمن نصر قول١ الأخفش أن يقول: هذا الدليل نقلبه عليكم، فنقول: إذا التقى الساكنان في كلمةٍ واحدةٍ حذف أولهما كـ: "خف وقل وبع" وقياس الحذف على الحذف أقرب من قياس الحذف على
(١) من قوله: "الخليل أن ... " إلى هنا ساقط من (ق).
الحرَكَة، وأيضًا فكما اعتلَّت العين بالقلب مع ألف فاعل كـ: "قائم (ظ/٢٦٥ أ) وقائل" اعتلَّت بالحذف مع واو "مفعولٍ".
قالت الخليليَّة: الميم في أول "مفعول" دالَّة على أنه اسم مفعول، فتبقى الواو زائدةً محضةً، فتكون أولى بالحذف من الحرف الأصلي.
قالت الأخفشيَّة: الميم لا تستقلُّ (ق/٣٨٤ ب) بالدلالة على المفعوليَّة، فإن "مبيعًا" يشبه "مسيرًا أو مقيلًا" من المصادر، ولا يتميَّزان إلا بواو "مفعول" فلا سبيل إلى حذفها، فصار في المدينة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها فعليةٌ من: مدن.
والثاني: مفعولةٌ١ وعينها محذوفةٌ.
والثالث: مفعلةٌ وواو المفعول محذوفةٌ، فإن كانت المدائن فعائل تعيَّن همزها كصحائف، لأن المدَّة وقعت بعد ألف الجمع، وإن كانت مفعلةٌ كمعيشة، فلا تهمز؛ لأنها ليست بمدَّةٍ.
فإن قلت: فما تقول في قراءة من قرأ ﴿معائش﴾ بالهمز٢؟ وهي جمع معيشةٍ، وياؤها ليست زائدةً، بل أصلها الحركة إما مفعلةٌ
(١) (ق وع): "مقولة".
(٢) قال الإمام ابن مِهْران في "المبسوط في القراءات العشر": (ص/١٧٩): "قرأ القراءُ كلُّهم (معايش) بغير همز، ولم يختلفوا فيه، إلا ما رواه أُسَيد عن الأعرج، وخارجة عن نافع أنهما همزاه، قيل: فأما نافع فهو غلط عليه؛ لأن الرواة عنه الثقات كلهم على خلاف ذلك، وقال أكثر القرَّاء وأهلُ النحو والعربية: إن الهمزة فيه لحن، وقال بعضهم: ليس بلحن وله وجه وإن كان بعيدًا" أهـ. وانظر: "تفسير الطبري": (٥/ ٤٣٥)، والقرطبي: (٧/ ١٦٧)، و"اللسان": (٦/ ٣٢١).