الحرَكَة، وأيضًا فكما اعتلَّت العين بالقلب مع ألف فاعل كـ: "قائم (ظ/٢٦٥ أ) وقائل" اعتلَّت بالحذف مع واو "مفعولٍ".
قالت الخليليَّة: الميم في أول "مفعول" دالَّة على أنه اسم مفعول، فتبقى الواو زائدةً محضةً، فتكون أولى بالحذف من الحرف الأصلي.
قالت الأخفشيَّة: الميم لا تستقلُّ (ق/٣٨٤ ب) بالدلالة على المفعوليَّة، فإن "مبيعًا" يشبه "مسيرًا أو مقيلًا" من المصادر، ولا يتميَّزان إلا بواو "مفعول" فلا سبيل إلى حذفها، فصار في المدينة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها فعليةٌ من: مدن.
والثاني: مفعولةٌ١ وعينها محذوفةٌ.
والثالث: مفعلةٌ وواو المفعول محذوفةٌ، فإن كانت المدائن فعائل تعيَّن همزها كصحائف، لأن المدَّة وقعت بعد ألف الجمع، وإن كانت مفعلةٌ كمعيشة، فلا تهمز؛ لأنها ليست بمدَّةٍ.
فإن قلت: فما تقول في قراءة من قرأ ﴿معائش﴾ بالهمز٢؟ وهي جمع معيشةٍ، وياؤها ليست زائدةً، بل أصلها الحركة إما مفعلةٌ
(١) (ق وع): "مقولة".
(٢) قال الإمام ابن مِهْران في "المبسوط في القراءات العشر": (ص/١٧٩): "قرأ القراءُ كلُّهم (معايش) بغير همز، ولم يختلفوا فيه، إلا ما رواه أُسَيد عن الأعرج، وخارجة عن نافع أنهما همزاه، قيل: فأما نافع فهو غلط عليه؛ لأن الرواة عنه الثقات كلهم على خلاف ذلك، وقال أكثر القرَّاء وأهلُ النحو والعربية: إن الهمزة فيه لحن، وقال بعضهم: ليس بلحن وله وجه وإن كان بعيدًا" أهـ. وانظر: "تفسير الطبري": (٥/ ٤٣٥)، والقرطبي: (٧/ ١٦٧)، و"اللسان": (٦/ ٣٢١).
وإما مِفعلةٌ، وكذلك ما تقول في همزهم "مصائب"، وهي جمع مصيبةٍ؟.
قلت: أما: معائش، فكدَّرت عيش أهل التصريف، حتى قال فيها أبو عثمان في "تصريفه"١: وأما قراءة أهل المدينة ﴿معائش﴾ بالهمز فهي خطأٌ فلا يلتفت إليها، فإنما أخذت عن نافع بن أبى نعيم، ولم يكن يدري ما العربية، وله أحرف يقرؤها لحنًا نحوًا من هذا. وأما "مصائب" فلقد أصيبوا منها بمصائب.
قال المازنيُّ٢: وقد قالت العرب: "مصائب" فهمزوا، وهو من الغلط قالوا: حلأْت٣ السَّويق، وكأنهم توهَّموا أن "مصيبة" فعيلةٌ، فهمزوها حين جمعوها كما همزوا: "شقائق"، وإنما "مصيبة" مفعلةٌ من: أصاب يصيب، فأصلها: مصوبةٌ، فألقوا حركة الواو على الصَّاد، فانكسرت الصاد، وبعدها واوٌ ساكنة فأبدلت ياءً وأكثر العرب يقول: مصاوب، فيجيء بها على القياس وما ينبغي.
فيقال: ومن المصائب تخطئة العرب وأهل المدينة، ونحن إنما نجهد أنفسنا في استخراج المقاييس لنوافقهم فيما تكلَّموا به، فإذا
(١) أبو عثمان هو: المازني، قاله في "التصريف": (١/ ٣٠٧ - مع شرحه المصنف) لابن جني. قال أبو الثناء الآلوسي في "روح المعاني": (٨/ ٨٥): "وبالغ أبو عثمان فقال: إن نافعًا لم يكن يدري ما العربية، وتُعُقِّب ذلك بأن هذه القراءة وإن كانت شاذة غير متواترة، مأخوذة من الفصحاء الثقات، والعربُ قد تشبِّه الأصلي بالزائد لكونه على صورته، وقد سمع هذا عنهم فيما ذكر وفي مصائب ومنائر أيضًا. وقول سيبويه: إنها غلط، يمكن أن يراد به أنها خارجة عن الجادة والقياس، وكثيرًا ما يَستعمل الغلطَ في كتابه بهذا المعنى" اهـ.