دلالة الاقتران: تظهر قوَّتها في موطنٍ، وضعفها في موطنٍ، وتساوى الأمرين في موطن، فإذا جمع المقترنين لفظٌ اشتركا في إطلاقه وافتراقا في تفصيله قويت الدلالة، كقوله ﷺ: "الفطرة خمسٌ"١، وفي مسلم: "عشرٌ من الفطرة"٢، ثم فصَّلها، فإذا جعلت الفطرة بمعنى السُّنَّة، والسُّنَّة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان؛ لكن تلك المقدمتان ممنوعتان فليست الفطرة بمرادفة للسُّنَّة، ولا السُّنَّة في لفظ النبي ﷺ هي المقابلة للواجب، بل ذلك اصطلاحٌ وضعيٌّ لا يُحمل عليه كلام الشارع، ومن ذلك قوله ﷺ: "حقٌّ على كلِّ مسلمٍ أن يغتسل يوم الجمعة، ويستاك ويمسَّ من طيب بيته"٣، فقد اشترك الثلاثة في إطلاق لفظ الحقِّ عليه، فإذا كان حقًّا مستحبًّا في اثنين منها كان في الثالث مستحبًّا، وأبين من هذا قوله: "وبالغ في الاستنشاق"٤، فإنَّ اللفظ تضمَّن الاستنشاق والمبالغة فيه٥، فإذا كان أحدها مستحبًّا فالآخر كذلك٦.
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٨٨٩)، ومسلم رقم (٢٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رقم (٢٦١) من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٨٧٩)، ومسلم رقم (٨٤٦) من حديث أبي سعيد ﵁.
(٤) أخرجه أحمد: (٢٦/ ٢٠٦ رقم ١٦٣٨٠)، وأبو داود رقم (١٤٢)، والنسائي: (١/ ٦٦)، وابن ماجه رقم (٤٤٨)، وابن حبان "الإحسان": (٣/ ٣٦٨)، والحاكم: (١/ ١٤٨) من حديث لقيط بن صبرة ﵁. وسنده صحيح.
(٥) من (ق).
(٦) (ق): "فكذلك الآخر".
ولقائل أن يقول: اشتراك المستحبِّ والمفروض في لفظ واحدٍ١ عامٍّ لا يقتضي تساويهما لا لغةً ولا عرفًا، فإنهما إذا اشتركا في شيءٍ لم يمتنع افتراقهما في شيءٍ، فإن المختلفات تشترك في لازم واحدٍ، فيشتركان في أمر عامٍّ ويفترقان بخواصِّهما، فالاقتران كمًا لا يُثبتُ لأحدهما خاصيَّةً، لا ينفيها عنه، فتأمَّله، وإنما يثبت لهما الاشتراكُ في أمرٍ عامٍّ فقط.
وأما الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه: فعند تعدُّد الجمل، واستقلال كلِّ واحدةٍ منهما بنفسها، كقوله ﷺ: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدَّائم، ولا يغتسل فيه من جنابةٍ"٢ وقوله: "لا يقتل مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده"٣، فالتَّعرُّض لدلالة الاقتران هاهنا في غاية الضَّعف والفساد، فإنَّ كلَّ جملةٍ مفيدةٌ لمعناها وحكمها وسببها وغايتها منفردةً به عن الجملة الأخرى، واشتراكهما (ق/٣٨٧ أ) في مجرَّد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه، وإنما يشترك حرف العطف في المعنى إذا عطف٤ مفردًا على مفردٍ، فإنه يشترك بينهما في العامل، كـ "قام زيدٌ وعمرٌو" وأما نحو: "اقتل زيدًا وأكرم بكرًا" فلا اشتراك في معنى.
وأبعد من ذلك: ظنُّ من ظنَّ أنَّ تقييد الجملة السَّابقة بظرفٍ أو
(١) من (ق).
(٢) أخرجه أحمد: (١٥/ ٣٦٥ رقم ٩٥٩٦)، وأبو داود رقم (٧٠)، وابن حبان "الإحسان": (٤/ ٦٨)، والبيهقي: (١/ ٢٣٨)، من حديث أبي هريرة ﵁ وهو حديث صحيح.