ذكر الزمخشريُّ١ هذين القولين، وهذا كما تقول: "خُذْ عَطَاءَك عطاءً موفورًا".
والذي يظهر في الآية: أن "جزاءً" ليس بمصدر، وإنما هو اسمٌ للحظِّ والنَّصيب، فليس مصدر "جزيته جزاءً"، بل هو كالعطاء والنَّصيب، ولهذا وصفه بأنه موفورا أي: تامٌ لا نقص فيه، وعلى هذا فنصبه على الاختصاص، وهو يشبه نصب الصِّفات المقطوعة، وهذا كما قال الزمخشريُّ وغيره في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ٧﴾[النساء: ٧] قال: نصبه على الاختصاص أي: أعني نصيبًا مفروضًا، ويجوز أن ينتصب انتصاب المصادر المؤكَّدة، كقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾٢[النساء: ١١].
مرَّت بنا ما بَيْنَ أتْرَابِهاوالمِسْكُ مِن أَرْدَانِهَا نَافِحَهْ
(١) في "الكشاف": (٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧).
(٢) ذكره في "الكشَّاف": (١/ ٢٤٩).
(٣) (ظ): "مذكر".
(٤) البيت في "شرح الأشموني": (٢/ ٣٢٤)، و"الهمع": (٢/ ٥١)، وصدره هناك: * مَرَّت بنا في نسوةٍ خَوْلَةٌ * وذكر في "اللسان": (١٠/ ٤٨٦) أنه مذكر وأنَّثه بعضُهم على أنه جمع واحدته مسكة ... وذكر بيتًا لجران العود فيه تأنيث المسك، إلا أنه خرجه على أنه ذهب به إلى "ريح المسك".
ولا يثبُتُ التأنيثُ بمثل ذلك؛ لأنه خبرٌ عن مضافٍ محذوف، أي: رائحةُ المِسْكِ، وهذا يجوزُ عند أَمْنِ اللَّبْسِ.
فائدة١
من كُلِّيَّاتِ النَّحْو: كلُّ صفْةِ نكرةٍ قُدِّمت عليها انقلبتْ حالًا، لاستحالَةِ كونِها صفةً تابعةً مع تَقَدُّمها فجعلتْ حالًا، ففارقها لفظُ الصِّفَةِ لا معناها، فإنَّ الحالَ صفةٌ في المعنى.
وكلُّ صِفَةِ علمٍ قُدِّمت عليه انقلبَ الموصوفُ عطفَ بيانٍ نحو: "مَرَرْتُ بالكريمِ زَيْدٍ" وكذلك غيرُ العَلَمِ كقولك: "مَرَرْتُ بالكريمِ أخِيكَ"؛ لأن الثانيَ تابعٌ للأول٢ مبيِّنٌ له، وكلُ تابعٍ صلح للبَدَلِيَّةِ وعطف البيان نظرتَ فيه، فإن تضمَّنَ زيادةَ بيان فجعله عطفًا أوْلى من جعلِهِ بَدَلًا، وإن لم يتضمَّنْ ذلك فجعله بَدَلًا أولى، مثالُ الأوَّلِ: قولُه تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾[المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾[النور: ٣٥]، وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ٣٢﴾[النبأ: ٣١ - ٣٢].
فائدة
الأفعالُ ثلاثة؛ ماضٍ ومضارعٌ وأمْرٌ:
فالأمرُ: لا يكونُ إلَّا للاستقبال، ولذلك فلا٣ يَقْتَرَنُ به ما يجعلُه لغيره، وأما ورودهُ لمن هو ملتبسٌ بالفعلِ فلا يكونُ المطلوبُ منه إلَّا