ولا يثبُتُ التأنيثُ بمثل ذلك؛ لأنه خبرٌ عن مضافٍ محذوف، أي: رائحةُ المِسْكِ، وهذا يجوزُ عند أَمْنِ اللَّبْسِ.
فائدة١
من كُلِّيَّاتِ النَّحْو: كلُّ صفْةِ نكرةٍ قُدِّمت عليها انقلبتْ حالًا، لاستحالَةِ كونِها صفةً تابعةً مع تَقَدُّمها فجعلتْ حالًا، ففارقها لفظُ الصِّفَةِ لا معناها، فإنَّ الحالَ صفةٌ في المعنى.
وكلُّ صِفَةِ علمٍ قُدِّمت عليه انقلبَ الموصوفُ عطفَ بيانٍ نحو: "مَرَرْتُ بالكريمِ زَيْدٍ" وكذلك غيرُ العَلَمِ كقولك: "مَرَرْتُ بالكريمِ أخِيكَ"؛ لأن الثانيَ تابعٌ للأول٢ مبيِّنٌ له، وكلُ تابعٍ صلح للبَدَلِيَّةِ وعطف البيان نظرتَ فيه، فإن تضمَّنَ زيادةَ بيان فجعله عطفًا أوْلى من جعلِهِ بَدَلًا، وإن لم يتضمَّنْ ذلك فجعله بَدَلًا أولى، مثالُ الأوَّلِ: قولُه تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾[المائدة: ٩٥]، وقوله: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾[النور: ٣٥]، وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ٣٢﴾[النبأ: ٣١ - ٣٢].
فائدة
الأفعالُ ثلاثة؛ ماضٍ ومضارعٌ وأمْرٌ:
فالأمرُ: لا يكونُ إلَّا للاستقبال، ولذلك فلا٣ يَقْتَرَنُ به ما يجعلُه لغيره، وأما ورودهُ لمن هو ملتبسٌ بالفعلِ فلا يكونُ المطلوبُ منه إلَّا
(١) (ق وظ): "فوائد".
(٢) (ع): "له".
(٣) (ق): "لم".
أمرًا متجدِّدًا، وهو إما الاستدامَةُ، وإما تكميلُ المأمورِ به نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[النساء: ١٣٦].
وأما الماضي: فَيُصْرَفُ إلى الاستقبالِ بعد أدواتِ الشَّرْطِ (ق/٣٨٨ أ) في١ الوعدِ والإنشاءِ ونحوه، لا في الخبر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾[يوسف: ٢٦]﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾[يوسف: ٢٧]، وكقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾[المائدة: ١١٦] وكقول النبي ﷺ لعائشة: "إنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِليْهِ"٢، ونظائرُه كثيرةٌ جدًّا.
ولا يخفى فسادُ تأويلِ ذلك: بأن المعنى إن يثْبُتْ في المستقبل وقوعُ ذلك في الماضي! أفترى الحسيح يقولُ لربِّهِ: إد يثبتْ في المستقبلِ أني قلتُهُ في الماضي فقد علمْتَهُ، وهل هذا إلَّا فاسدٌ من الكلامِ ممتنعٌ من العاقلِ إطلاقُهُ، وكذلك قولُ النبيِّ ﷺ لعائشةَ إنما أرادَ: إن كان وُجِدَ فيما مضى ذنبٌ فتداركيهِ بالتَّوْبَةِ.
وأما ما يصيرُ به الماضي مستقبلًا فكقولِكَ: "إنْ أقَمْتَ٣ أَكْرَمْتُكَ وإنْ زُرْتَنِي أَحْسَنْتُ إِليْكَ" فهذا ماضي اللَّفظِ مستقبلُ المعنى، وللنُّحاة هاهنا مسلكانِ:
أحدهما: أن التغيير وقَعَ في لفظ الفعل، وكان الموضِعُ للمستقبَلِ، فَغُيِّرَ إلى لفظ الماضي، والأداة هي التي تَصَرَّفَتْ في تغييره، وهذا (ظ/٢٦٧ أ) اختيارُ أبي العباس المُبَرِّد.
(١) (ق): "وفي".
(٢) قطعة من حديث الإفك الطويل، أخرجه البخاري رقم (٢٥٩٣)، ومسلم رقم (٢٧٧٠).