وأما قولُه: "نَضَّرَ اللهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي"١، فقال صاحب "التسهيل"٢: إن الاستقبال في "سمع" جاء من كونِه وقع صفةً لنكرةٍ عامةٍ، وهذا وهمٌ -أيضًا- فإنَّ ذلك لا يوجِبُ استقبالًا بحالٍ، تقولُ: "كم مالٍ أنفقتَهُ، وكم رجلٍ لقيتَهُ، وكم نعمةٍ كَفَرها أبو جهلٍ، وكم مشهدٍ شهِدَه عليٌّ مع رسول الله ﷺ"، وإنما جاء الاستقبالُ من جهةِ ما تضمَّنه الكلامُ من الشرطِ، فهو في قُوَّة: "مَن سَمِعَ مقالتي فوعاها نَضَّرَهُ اللهُ"، فتأَمَّلْه.
وكذلك إذا وقعَ (ق/٣٨٩ ب) مضافًا إليه حيث صَلَحَ للاستقبال إذا تضمَّنتْ معنى الشرط، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾[البقرة: ١٥٠]، فلم يأتِ الاستقبالُ هاهنا من قِبل "حيثُ" كما ظنَّه، وإنما جاء من قِبَل: ما تضمَّنه الكلامُ من الشرط، ولهذا لو تجرَّدَ من الشرط لم يكنْ إلَّا للمضيِّ، كقولك: "اذهبْ حيثُ ذَهَبَ فلانٌ". وأما قول الشاعر٣:
وإني لآتيكم بتذكار٤ ما مَضَى ... من الأمرِ واستحبابِ ما كانَ في غَدِ فلم تكن "كان" هاهنا مستقبلةَ المعنى لكونِها في صلَةِ الموصول،
(١) أخرجه أحمد: (٢١/ ٦٠ رقم ١٣٣٥٠)، وابن ماجه رقم (٢٣٦) وغيرهما من حديث أنسٍ ﵁ وله شواهد من حديث جماعة من الصحابة، يُصحح الحديث بها.
(٢) انظر ما تقدم.
(٣) البيت للطرماح "ديوانه": (ص/٥٧٢ - الملحق)، وهو في "الخصائص": (٣/ ٣٣١).
(٤) في النسخ: "بذكر"!.
بدليلِ وقوعِها للمضي في قوله: "ما مَضَى من الأمر"، وإنما جاءَ الاستقبالُ من جهة الظرفِ الذي جُعِلَ وقتًا للفعل.
فصل
وإذا نُفِيَ المضارع بـ "لا" فهل يختَصُّ بالاستقبال أو يصلحُ له وللحال؟
مذهبانِ للنُّحَاةِ؛ مذهب الأخفش: صلاحِيَّتُه لهما، ووافقه ابنُ مالك١، وزعم أنه لازمٌ لسيبويه، محتجًّا بإجماعهم على صحة. "قامَ القَوْمُ لا يكُونُ زَيْدًا" فهو بمعنى: "إلا زيدًا".
ومن ذلك قولهم: "أتُحِبُّه أمْ لا تُحِبُّهُ؟ " و"أتظنُّ ذلكَ أمْ لا تَظُنُّهُ؟ "، لا رَيْبَ أنه بمعنى الحال، وقولهم: "ما لك لا تَقْبَلُ وأراكَ لا تُبَالي"، قال تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾[المائدة: ٨٤] و﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾[نوح: ١٣] و﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾[النمل: ٢٠]﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾[يس: ٢٢] وزعم الزمخشريُّ٢ أنه يَتَخَلَّصُ بها للاستقبالِ أخذًا من قول سيبويهِ٣: "وإذا قال: "هو يَفْعَلُ" ولم يكن الفعلُ واقعًا، فإنَّ نفيَهُ: "لا يفعل" "، وهذا ليس صريحًا في اختصاصِهِ بالمستقبل، فإن (لا) تنفي الحالَ والاستقبالَ، وهو لم يقلْ: لا تنفي الحالَ، وإنما أراد سيبويه أن يفرِّقَ بينَ نفي الفعل بـ "ما" ونفيه بـ "لا" في أكثر الأمر، فقال: "وإذا قال: هو يفعلُ، أي: هو في حالِ فعلٍ، كان نفيُه ما يفعل، وإذا قال: هو يفعلُ، ولم يكن الفعلُ واقعًا، فإن نفيَهُ
(١) لم أعثر على كلامه.
(٢) في "المفصَّل": (٨/ ١٠٧ - ١٠٨ - مع شرحه لابن يعيش).