والتحقيقُ في ذلك: أن هذه الأدواتِ تنفي الفعلَ المبتدئَ من الحال، مستمر النفي في الاستقبال، فلا تنفيه في الحال نفيًا منقطِعًا عن التَّعَرُّضِ للمستقبلِ، ولا تنفيه في المستقبلِ، مع جوازِ التَّلَبُّس به في الحال، فَتَأَمَّلْهُ.
وتتخلّصُ للاستقبال بعشرة أشياء: (حرف تنفيس، (ق/ ٣٩٠ ب) أو مصاحبة ناصب، أو أداة تَرَجٍّ، أو إشفاق كـ "لعل"، أو مجازاة، أو نوني التوكيد، أو "لو" المصدرية)، كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ٩﴾[القلم: ٩]، ومثال الإشفاق، قول الشاعر٣:
فأمَّا كَيِّسٌ فَنَجَا ولكِنْعسى يَغْتَرُّ بي حَمِقٌ لَئِيمُ
✽ ✽ ✽
(١) انظر "ديوان الهذليين": (١/ ٢)، و"المفضليات": (ص/٤٢١)، والبيت فيه: أوْدَى بنيَّ وأعْقَبُوني غُصَّةً ... بَعْدَ الرُّقادِ وعَبْرةً لا تُقْلِعُ
(٢) في الأصول: "النابغة"، وهو خطأ. والبيت للأعشى "ديوانه": (ص/ ١٣٧) والبيت فيه: له صدقاتٌ ما تُغِبُّ ونائلٌ ... وليس عطاءُ اليومِ مانِعَهُ غدا
(٣) البيت في "الكتاب": (٣/ ١٥٩)، و"الخزانة": (٩/ ٣٢٨) غير منسوب.
فائدة
قوله في الحديث الصحيح: "إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ"١ يجوز فيه وجهان:
فتحُهما معًا، وهو الأشهرُ والأفصحُ، وهما مبنيانِ على الفتح، للتركيب المتضمن للحرف٢ كقولهم: "هو جاري بيتَ بيتَ" والمعنى: بيتُهُ إلى بيتي، ومنه قولهم: "همزة بَيْنَ بَيْنَ"، و"فُلانٌ يأتيكَ صَبَاحَ مَسَاءَ ويَوْمَ يَوْمَ"، و"تَرَكوا البلادَ حيْثَ بَيْثَ وحاثَ باثَ"، و"وقعوا في حَيْصَ بَيْصَ". وأصل هذا كله: "خَمْسَةَ عَشَرَ" وبابه، فإن أصلَهُ قبلَ التركيبِ العطفُ، فرُكِّب وبُني لتضمُّنِه معنى حرف العطف، ولا كذلك: "بَعْلَبَكُّ" وبابُه؛ لأن الاسمين في "خمسة عشر" مقصود دلالتهما قبل التركيب بخلاف "بَعْلَبَكَّ".
الوجه الثاني: بناء "وراءَ وراءَ" على الضمِّ كالظروف المقطوعة على الإضافَةِ، ورجح هذا بعضُ المتأخرين محتجًّا بما أنشده الجوهري في "صحاحه"٣ بالضم:
إذا أَنا لَمْ أُؤْمَنْ عليْكَ ولم يَكُنْلِقَاؤُكَ إلَّا مِنْ وَرَاءُ وراءُ٤
هكذا أنشده بالضمِّ، وعلى هذا فـ "وراء" الأولى بُنيت كبناء "قبلُ وبعدُ" إذا قُطِعَتا، وفي الثانية أربعة أوجهٍ:
(١) أخرجه مسلم رقم (١٩٥) من حديث حذيفة بن اليمان ﵄.
(٢) (ظ): "للحذف".
(٣) (٦/ ٢٥٢٣).
(٤) وذكره في "الكامل": (١/ ٨٥) منسوبًا إلى عُتَيّ العُقَيلي.