بدائع الفوائد

قوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ٢٠﴾

[الفجر: ١٩ - ٢٠].

وكذلك إذا وقعتْ بين جملتينِ متضادَّتَيْنِ أفادت تقريرَ كلِّ واحدة منهما، كقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فالمقصود تقريرُ الطلبِ والخَبَرِ، وكذلك قولُكَ: "لا تَضْرِبْ زَيْدًا بل اضْرِبْ عمْرًا" وكذلك: "ما قامَ زَيْدٌ بل قامَ عَمْرٌو" فهي في ذلك كلِّه لتقريرِ الجملتينِ، وكذلك قولُه تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٤٠ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١] المعنى: أنكم إذا نزل بكم هذا الأمرُ العظيمُ لا تدعونَ غيرَ اللهِ، بل تدعونَهُ وحدَهُ، فهو تقريرٌ لتركِ دعائِهم آلهتَهم، ولدعائِهم الإلهَ الحقَّ وحدَه، فيدخلُ في مثلِ ذلك على مقرَّرٍ بعدَ مقَرَّرٍ، والأوَّل تارةً يكونُ تقريرُه تَوْطِئةً للثاني، كقوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤﴾ [الفرقان: ٤٤] وتارةً لا يكون توطئة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] وتارةً يدخلُ على كلام مقرَّر بعد كلام مردودٍ، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ٢٦﴾ [الأنبياء: ٢٦] وفي مثل هذا يظهرُ معنى الإضرابِ، وليس المرادُ به الإضراب عن الذِّكر، بل الإضرابُ عن المذكور ونفيُه وإبطالُه.

وتارةً يأتي لتقريرِ كلامٍ بعد كلامٍ قد رَجَعَ عنه المتكلِّم، إما لغَلَطٍ أو لظهورِ رأيٍ أو لعُروضِ نسيانٍ، وذلك كلُّه إمَّا في الإخبارِ وإما في المُخْبَرِ به: فمثال الأولِ١: أن تقولَ: "أنتَ عَبْدي بل سَيِّدي".

  1. (١) "فمثال الأول" ليست في (ظ).
1657

ومثال الثاني: "لاحَ بَرْقٌ بل ضَوْءُ نارٍ".

ومثال الثالث: "خذْ هذا بلْ هذا".

ومثال الرابع: "شَرِبْتُ عَسَلًا بل لَبَنًا".

وتأتي مع التَّكرار لقصد ما بعدها بالأولوية والذِّكْر دونَ نفي ما قبلَها، كقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] فهم لم يقصدوا إبطالَ ما قبلَ كلِّ واحدةٍ، بل قصدوا أولويَّةَ المتأخِّرِ بالقصدِ إليه والاعتمادِ عليه مع ثُبوتِ ما قبلَهُ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ٦٥ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ٦٦﴾ [النمل: ٦٥ - ٦٦]، فليس القصدُ نفيَ إدراكِ علمهم في الآخِرَةِ، ولا نفيَ شكِّهم فيها، فتأمَّلْهُ.

ومن مواردِها مجيئُها بعد قَسَمٍ لم يُذكَرْ جوابُهُ فيتضمَّن تحقيق ما بعدَها وتقريرَهُ، ويتضمَّنُ ذلك مع القَسَمِ تحقيقَ ما قصد بالقَسَمِ وتقريره١.

فائدة

احتمالُ اللَّفظ للمعنى شيءٌ، ودلالته عليه شيءٌ، فالمطلَقُ بالنسبةِ إلى المُقَيَّداتِ محتملٌ غيرُ دالٍّ، والعامُّ بالنسبةِ إلى الأفراد دَالٌّ.

  1. (١) هنا تنتهى نسخة (ع) وفي خاتمتها ما نصه: "آخر الجزء الثاني، والله المستعان وعليه التكلان، ونسأله الغفران من الزلل والعصيان إنه رحيم رحمان كريم منان وهو حسبي ونعم الوكيل.
    نجز في الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، على يد الفقير إلى الله تعالى محمد بن علي بن موسى بن يحيى الحمصي مولدًا الحنبلي مذهبًا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم آمين".
1658

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي