بدائع الفوائد

التعسف فيه، وأنه لم يقصد: إن١ يَثْبُت في المستقبل أنَّكِ أذنبت في الماضي فتوبي، ولا قصد هذا المعنى، وإنما المقصود المراد ما دل على الكلام: إن كان صدر منكِ ذنبٌ فيما مضى فاستقبليه بالتوبة، لم يُرِد إلَّا هذا الكلام.

وإذا ظهر فساد. الجوابين، فالصواب أن يُقال: جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقًا محضًا٢، غير متضمن جوابًا لسائل: هل كان كذا؟ ولا مُتضمِّن لنفي قول من قال: قد كان كذا؟ فهذا يقتضي الاستقبال، وتارة يكون مقصوده ومضمنه جواب سائل: هل وقع كذا؟ أوْ رَدّ قوله: قد وقع كذا، فإذا علق الجواب ها هنا على شرط؛ لم يلزم أن يكون مستقبلًا لا لفظًا ولا معنًى، بل لا يصح فيه الاستقبال بحالٍ، كمن يقول لرجل: هل أَعْتقت عبدك٣؟ فيقول: إن كنت قد أعتقته فقد أعتقته لله فما للاستقبال هنا معنًى قط، وكذلك إذا قلتَ لمن قال: صحبتُ فلانًا، فتقول: إن كنت صحبته فقد أصبتَ بصحبته خيرًا. وكذلك إذا قلت له؟ هل أذنبتَ؟ فيقول: إن كنتُ قد أذنبتُ فإني قد تبت إلى الله واستغفرته. وكذلك إذا قال: هل قلت لفلان كذا؟ وهو يعلم أنه علم بقوله له، فيقول: إن كنت قلته فقد علمته، فقد عرفت أن هذه المواضع كلَّها مواضع ماضٍ لفظًا ومعنًى ليطابق السؤالُ الجوابَ، ويصبح التعليق الخبري لا الوعدي. فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال، وأمّا التعليق الخبري٤ فلا يستلزمه.

  1. (١) (ق): "أنه" وكذا في نسخة كما في هامش (د).
  2. (٢) عن قوله: "إلا هذا الكلام ... " أبي هنا ساقط من (ق).
  3. (٣) (ظ): "عدل"!.
  4. (٤) من قوله: "لا الوعدي ... " إلى هنا سقط من (د).
80

ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ٢٦ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٢٧﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧]، وتقول: إن كانت البيِّنة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت، وهذه دقيقة خَلَت عنها كتب النحاة والفضلاء، وهي كما ترى وضوحًا وبرهانًا ولله الحمد.

المسألة الثالثة١: المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة "إن" لا يعلَّق عليها إلا محتمل الوجود والعدم، كقولك: "إن تأتني أكْرِمْك"، ولا يعلق عليها محقَّق الوجود، فلا تقول: "إن طلعت الشمس أتيتك"، بل تقول: "إذا طلعت الشمس أتيتك"، و"إذا" يعلق عليها النوعان.

واستشكل هذا بعض الأصوليين، فقال: قد وردت "إن" في القرآن في معلوم الوقوع قطعًا كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣] وهو سبحانه يعلم أن الكفار في ريب منه. وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤] ومعلوم قطعًا انتفاء فعلهم.

وأجاب عن هذا بأن قال: إن الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية، بل الأوضاع العربية٢ مبنية على خصائص الخلق، والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب، وعلى منوالهم، فكل ما كان في عادة العرب حَسَنًا؛ أنزل القرآن على ذلك الوجه، أو قبيحًا لم ينزل

  1. (١) انظر: "الفروق": (١/ ٩٢ - ٩٣) للقرافي، وهو الذي أشار إليه المصنف بإيراد الإشكال وجوابه.
  2. (٢) "بل الأوضاع العربية" ساقط من (د).
81

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي