قلتُ: التعليق ليس على مطلق الهلاك، بل على هلاك مخصوص، وهو هلاك لا عن ولد.
فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ١٧٢﴾[البقرة: ١٧٢] وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ١١٨﴾[الأنعام: ١١٨] وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني. وفي الحديث في السلام على الموتى: "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بكُمْ لَاحِقُوْن"١ واللّحاق محقَّق، وفي قول الموصِي: إن متُّ فثلث مالي صدقة؟.
قلت: أما قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ١٧٢﴾؛ الذي حسَّن مجيء "إن" ها هنا الاحتجاج والإلزام. فإن المعنى: إنَّ عبادتكم لله تستلزم شكركم له، بل هي الشكر نفسه، فإن كنتم ملتزمين٢ لعبادته داخلين في جملتها؛ فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه، وهذا كثيرا ما يُوْرَد في الحِجَاج كما تقول للرجل: إِن كان الله ربك وخالقك فلا تعصه، وإن كان لقاء الله حقًا فتأهَّب له، وإن كانت الجنة حقًّا فتزوَّد لها، وهذا أحسن من جواب من أجاب: بأنَّ "إن" هنا قامت مقام "إذا"، وكذا قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ١١٨﴾، وكذا قولهم: "إن كنت ابني فأطعني"، ونظائر ذلك.
وأما قوله: "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُوْنَ"؛ فالتعليق
(١) أخرجه مسلم رقم (٩٧٤، ٩٧٥) من حديث عائشة وبريدة بن الحصيب ﵄.
(٢) (د): "مستلزمين".
هنا ليس لمطلق الموت، وإنما هو للحاقُهم بالمؤمنين، ومصيرهم إلى حيث صاروا.
وأمَّا قول الموصِي: إن متُّ فثلث مالي صدقة؛ فلأنّ الموت وإن كان محققًا، لكن لما لم يُعرف تعيُّن وقته، وطال الأمد١، وانفرجت٢ مسافة أمنية الحياة، نزلَ منزلة المشكوك فيه٣، كما هو الواقع الذي تدلُّ عليه أحوال العباد، فإن عاقلًا لا يتيقّن الموت، ويرضى بإقامته على حالٍ لا يحب الموتَ عليها أبدًا، كما قال بعض السلف: ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبهَ بشك لا يقينَ فيه من الموت٤، وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ١٦﴾[المؤمنون: ١٥، ١٦] فأكَّدَ الموتَ باللام، وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت، وأتى في البعث بالفعل، ولم يؤكده.