بدائع الفوائد

لأكرمته"، فهي في الشرط نظير "إن" في الرَّبط بين الجملتين، لا في العمل، ولا في الاستقبال، وكان بعض فضلاء المتأخرين، وهو: تاج الدين الكِنْدي١، يُنكر أن تكون "لو" حرف شرط، وغلَّط الزَّمخشريَّ٢ في عَدِّها في أدوات الشرط٣، قال الأندلسي في "شرح المفصل٤: فحكيت ذلك لشيخنا أبي البقاء٥ فقال: غَلِط تاج الدين في هذا التغليط، فإن "لو" تربط شيئًا بشيء، كما تفعل "إن".

قلت: ولعلَّ النزاع لفظيّ؛ فإن أُريد بالشرط: الربط المعنوي الحُكمي، فالصواب ما قاله أبو البقاء، والزمخشري، وإن أريد بالشرط: ما يعمل في الجزأين، فليست من أدوات الشرط.

المسألة الثامنة٦: المشهور أن "لو" إذا دخلت على ثبوتين نَفَتْهما، أو نفيين أثبتتهما، أو نفي وثبوت؛ أثبتت المنفيّ، ونفت المثبت،

  1. (١) هو: زيد بن الحسن بن زيد أبو اليُمن تاج الدين الكندي، العلامة ذو الفنون ت (٦١٣).
    انظر "معجم الأدباء": (١١/ ١٧١) و"السير": (٢٢/ ٣٤).
  2. (٢) هو: محمود بن عمر بن محمد أبو القاسم جار الله الزمخشري الحنفي المعتزلي، صاحب التصانيف، ت (٥٣٨).
    انظر: "إنباه الرواة": (٣/ ٢٦٥) و"السير" (٢٠/ ١٥١).
  3. (٣) انظر "شرح المفصَّل": (٨/ ١٥٥) لابن يعيش.
  4. (٤) هو: القاسم بن أحمد بن الموفّق اللورقي الأندلسيّ، علم الدين النحوي ت (٦٦١)، له شرح كبير على "المفصل". قال القِفطي: "استوفى فيه القول، لا يقصر أن يكون في مقدار كتاب أبي سعيد السيرافي في شرح سيبويه" اهـ.
    انظر: "معجم الأدباء": (١٦/ ٢٣٤)، و"إنباه الرواة": (٤/ ١٦٧)، وانظر أيضًا ص/١٥٤ من هذا الجزء.
  5. (٥) هو أبو البقاء العكبري النحوي الحنبلي (ت ٦١٦)."ذيل الطبقات": ٢/ ١١٥.
  6. (٦) انظر: "الفروق": (١/ ٨٩ - ٩٢).
91

وذلك لأنها تدلُّ على امتناع الشيء لامتناع غيره. وإذا امتنع النفي صار إثباتًا، فجاءت الأقسام الأربعة، وأُوْرِدَ على هذا أمور:

أحدها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] ومقتضى ما ذكرتم أن تكون كلمات الله تعالى قد نفدَت، وهو محال؛ لأنَّ الأول ثبوت، وهو كون أشجار الأرض أقلامًا والبحار مدادًا لكلماته، وهذا منتفٍ. والثاني وهو قوله: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، فيلزم أن يكون ثبوتًا.

الثاني: قول عمر: "نعمَ العبد صهيبٌ لو لم يَخَف الله لَمْ يَعْصِه"١. فعلى ما ذكرتم يكون لخوف ثابتًا لأنّه منفيّ، والمعصية كذلك، لأنَّها منفية أيضًا، وقد اختلفت أجوبةُ الناس عن ذلك.

فقال أبو الحسن بن عُصْفور٢: "لو" في الحديث بمعنى "إن" لمطلق الربط فلا يكون أنفيها إثباتًا ولا إثباتها نفيًا، فاندفع الإشكال.

وفي هذا الجواب ضَعْف بيِّن، فإنه لم يقصد في الحديث مطلق الربط كما قال، وإنما قصد ارتباط مُتَضمِّن لنفي الجزاء ولا سيق

  1. (١) اشتهر هذا الأثر على ألسنة الأصوليين وأهل العربية عن عمر ﵁، ولم يوقف له على إسنادٍ بعد الفحص والتتبع.
    انظر: "المقاصد الحسنة": (ص/ ٤٤٩)، و"كشف الخفاء": (٢/ ٤٢٨).
    ولشيخ الإِسلام ابن تيمية رسالة في شرح هذا الأثر، ساقها السيوطي برمتها في "الأشباه والنظائر النحوية": (٤/ ٦٥).
  2. (٢) هو: علي بن مؤمن بن محمد أبو الحسن بن عصفور الحضرمي الإشبيلي النحوي ت (٦٦٣) وقِيل غير ذلك.
    انظر: "إشارة التعيين": (ص/ ٢٣٦) و"بغية الوعاة": (٢/ ٢١٠).
92

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي