بدائع الفوائد

الكلام إلا لهذا، ففي هذا١ الجواب إبطال خاصية "لو" التي فارقت بها سائر أدوات الشرط.

وقال غيره: "لو" في أصل٢ اللغة لمطلق الربط، وإنما اشتهرت في العرف في انقلاب ثبوتها نفيا وبالعكس، والحديث إنما ورد بمعنى اللفظ في اللغة.

حَكَى هذا الجواب القَرَافي٣ عن الخُسْرُوشَاهِي٤، وهو أفسد من الذي قبله بكثير!! فإن اقتضاء "لو" لنفي الثابت بعدها وإثبات المنفي، متلقى من أصلِ وَضْعها لا من العرْف٥ الحادِث، كما أن معاني٦ سائر الحروف؛ من نفي أو تأكيد أو تخصيص، أو بيان أو ابتداءٍ أو انتهاء؛ إنما هو متلقًى من الوضع لا من العرف، فما قاله ظاهر البُطْلان.

الجواب الثالث: جواب الشيخ أبي محمَّد ابن عبد السلام٧ وغيره، وهو: أنَّ الشيء الواحد قد يكون له سبب واحد، فينتفي عند انتفائه، وقد يكون له سببان، فلا يلزم من عدم أحدهما عدمه؛ لأنَّ

  1. (١) من (ق).
  2. (٢) من (ق).
  3. (٣) هو: أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن أبو العباس القرافي المالكي الأصولي الفقيه ت (٦٨٤)، صاحب التصانيف، ومنها: "الفروق" الذي ينقل منه المؤلف.
    انظر: "الديباج المذهب": (ص/ ٦٢)، و"شجرة النور": (ص/ ١٨٨).
  4. (٤) هو: عبد الحميد بن عيسى بن عمويه بن يونس أبو محمد الخُسْرُوشاهي ت (٦٥٢).
    انظر: "شذرات الذهب": (٥/ ٢٥٥)، و"الأعلام": (٣/ ٢٨٨).
  5. (٥) (ظ ود): "الحرف"!.
  6. (٦) سقطت من (ق).
  7. (٧) هو: عبد العزيز بن عبد السلام، سلطان العلماء، ت (٦٦٠).
93

السبب الثاني يَخْلُف السبب الأول، كقولنا في زوج هو ابن عم: "لو لم يكن زوجًا لوَرِث"، أي بالتعصيب، فإنهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر، وكذلك الناس ها هنا في الغالب، إنما لم يعصوا لأجل الخوف، فإذا ذهب الخوف عنهم عصوا، لاتحاد السبب في حقهم، فأخبر عمرُ أن صهيبًا اجتمع له سببان يمنعانه المعصية: الخوف والإجلال، فلو انتفى الخوف في حقه، لانتفى العصيان للسبب الآخر وهو الإجلال، وهذا مدح عظيم له.

قلت: وبهذا الجواب بعينه يجاب عن قوله ﷺ في ابنة حمزة١، "إِنَّها لَوْ لَم تكنْ رَبيْبتِي في حَجْرِي لَما حَلَّتْ لي إنَّها ابْنَةُ أخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ" أي: فيها سببان يقتضيان التحريم، فلو قُدِّر انتفاء أحدهما لم ينتف التحريم للسبب الثاني.

وهذا جوابٌ حَسَنٌ جدًّا.

الجواب الرَّابع: ذكره بعضهم بأن قال: جواب "لو" محذوف وتقديره: "لو لم يخف الله لعصمه فلم يعصه بإجلاله له٢ ومحبته إِيَّاه"، فإن الله يعصم: عبدَه بالخوف تارة، و[المحبة]٣ والإجلال

  1. (١) كذا في الأصول، وهو وهم، فإن الذي قال فيها النبي ﷺ ذلك هي: بنت أبي سلمة؛ لأن أباها أبو سلمة أخو النبي من الرضاعة، وأمها أم سلمة زوج النبي، فهي ربيبته.
    والحديث أخرجه البخاري رقم (٥١٠١) ومسلم رقم (١٤٤٩) من حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ أما حديث بنت حمزة، فقال فيها النبي ﷺ: "إنها ابنة أخي من الرضاعة" أخرجه البخاري رقم (٢٦٤٥)، ومسلم رقم (١٤٤٧).
  2. (٢) من (ق).
  3. (٣) في الأصول: "والخوف"، والمثبت هو الصواب، بدليل ما بعده.
94

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي