تارة، وعِصْمة الإجلال والمحبة أعظم من عِصمة الخوف، لأنَّ الخوف يتعلَّق بعقابه، والمحبة١ والإجلال يتعلَّقان بذاته وما يستحقه ﵎، فأين أحدهما من الآخر؟! ولهذا كان دين الحبِّ أثبت وأرسخ من دين الخوف وأَمكن وأعظم تأثيرًا، وشاهده ما نراه من طاعة المحب لمحبوبه وطاعة الخائف لمن يخافه، كما قال بعض الصحابة: "إنه ليستخرج حبه منِّي من الطاعة ما لا يستخرجه الخوف"، وليس هذا موضع بسط هذا الشأن العظيم القدر، وقد بسطته في: "كتاب الفتوحات القدسية"٢.
الجواب الخامس٣: أن "لو" أصلها أن تستعمل للرَّبط بين شيئين كما تقدَّم، ثم إنها قد تستعمل لقطع الرَّبط، فتكون جوابًا لسؤالٍ محقَّق أو متوهَّم وقع فيه ربط، فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ذلك الربط، كما لو قال القائل: "إن لم يكن زيدٌ زوجًا لم يرث"، فتقول أنت: "لو لم يكن زوجًا لورث"، تريد٤: أنَّ ما ذكره من الربط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحق، فمقصودك قطع ربط كلامه لا ربطه، وتقول: "لو لم يكن زيد عالمًا لأُكرِم"، أي: لشجاعته، جوابًا لسؤال سائل يتوهَّم أنه لو لم يكن عالمًا لما أُكرِم، فيربط بين عدم العلم والإكرام، فتقطع أنت ذلك الربط، وليس مقصودك أن تربط بين عدم العلم والإكرام؛ لأنَّ ذلك ليس بمناسِب ولا من أغراض العقلاء، ولا يتجه كلامك إلا على عدم الرَّبط.
(١) من قوله: "والإجلال تارة ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(٢) لم يُعثر على شيءٍ من نسخه الخطية، انظر: "ابن القيم حياته وآثاره": (ص / ٢٧٨).
(٣) هذا الجواب للقرافي في كتابه "الفروق" ت (١/ ٩٠).
(٤) ليست في (ظ).
كذلك الحديث، لما كان الغالب على النَّاس أن يرتبط عصيانُهم بعدمِ خوفهم، وأَنَّ ذلك في الأوهام؛ قَطَعَ عُمَرُ هذا الربط، وقال: "لو لم يخف الله لم يعصه".
وكذلك لما كان الغالبُ على الأوهام أَنَّ الأشجار كلَّها إذا صارت١ أقلامًا، والبحار المذكورة كلها تُكْتَب بها الكلمات الإلهية، فلعلَّ الوهم يقول: ما يُكتب بهذا شيء إلا نفِدَ كائنًا ما كان، فقطع الله تعالى هذا الربط، ونفى هذا الوهم، وقال: ﴿مَا نَفِدَتْ﴾٢.
قلت: ونظير هذا: في الحديث: أن زوجته لما توهَّمتْ أن ابنة عمه حمزة٣ تحلّ له؛ لكونها بنت عمه، فقطع هذا الربط بقوله: "إنها لا تحل"، وذكر للتحريم سببين: الرَّضَاعة، وكونها ربيبة له، وهذا جواب القَرَافي، قال: "وهو أصْلح من الأجوبة المتقدِّمة من وجهين؛ أَحدهما: شموله للحديث والآية، وبعض الأجوبة لا تنطبق على الآية. والثاني: أَنَّ ورود "لو" بمعنى "إن" خلاف الظاهر، وما ذكرته٤ لا يتضمن خلاف الظاهر".
قلت: وهذا الجواب فيه ما فيه، فإنه إِن ادَّعى أَنّ "لو" وُضِعت أو جيء بها لِقَطْع الرَّبط فغلط، فإنها حرف من حروف الشرط التي مضمونها ربط السبب بمسببه والملزوم بلازمه، ولم يُؤْتَ بها لقطع هذا الارتباط ولا وُضعت له أصلًا، فلا يفسر الحرف بضد موضوعه.
ونظير هذا قول من يقول: إن "إلا" قد تكون بمعنى "الواو"،
(١) سقطت من (ق).
(٢) "وقال: ما نفدت" سقطت من (د).
(٣) (ق): "بنت حمزة"، وانظر ما تقدم (ص/٩٤ حاشية ١) من التعليق والتصحيح.