بدائع الفوائد

الملزوم الآخر، فلا يتوهَّم المتوهِّم انتفاء اللازم عند نفي ملزوم معيَّن، فإن الملازمة حاصلة بدونه، وعلى هذا يُخرَّج: "لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ"، وَ"لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبيْبتَي لَما حَلَّتْ لَي"، فإن عدم المعصية له ملزومات وهي١ الخشية والمحبة والإجلال، فلو انتفى بعضها وهو الخوف مثلًا، لم يبطل اللازم؛ لأنَّ له ملزومات أُخر غيره، وكذلك لو انتفى كون البنت ربيبته لما انتفى التحريم، لحصول الملازمة بينه وبين وصف آخر، وهو الرَّضاع، وذلك الوصف ثابت، وهذا القسم٢ إنَّما يأتي في لازم له ملزومات متعددة، فيقصد المتكلم تحقق الملازمة على تقدير نفي ما نفاه منها.

وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فإن الآية سِيْقت لبيان أن أشجار الأرض لو كانت أقلامًا، والبحار: مِدَادًا، فكتِبت بها كلماتُ الله؛ لنفدت البحارُ والأقلام، ولم تنفد كلمات الله، فالآية سِيْقت لبيان الملازمة بين عدم نفاد كلماته، وبين كون الأشجار أقلامًا، والبحار مدادًا يكتب بها، فإذا كانت الملازمة ثابتة على هذا التقدير الذي هو أبلغ تقديرٍ يكون في نفاد المكتوب؛ فثبوتها على غيره من التقادير أولى.

ونوضِّح هذا بضرب مثل يُرْتقى منه إلى فهم مقصود الآية: إذا قلت لرجل لا يعطي أَحدًا شيئًا: "لو أَنَّ لك الدنيا بأسرها ما أعطيت أحدًا منها شيئًا"، فإنك إنما٣ قصدت أن عدم إعطائه ثابت على أعظم التقادير التي تقتضي الإعطاء، فلازَمْتَ بين عدم إعطائه وبين

  1. (١) (ظ ود): "ملزومان وهي".
  2. (٢) ليست في (ق).
  3. (٣) (ظ ود): "إذا".
100

أعظم أسباب الإعطاء، وهو كثرة ما يملكه، فدلَّ هذا على أن عدم إعطائه ثابت على ما هو دون هذا التقدير، وأن عدم الإعطاء لازم لكل تقدير، فافهم نظير هذا المعنى في الآية، وهو عدم نفاد كلمات الله تعالى، على تقدير أن الأشجارَ أقلام، والبحارَ مداد يُكْتَب بها، فإذا لم تنفد على هذا التقدير، كان عدم نفادها لازمًا له؛ فكيف بحسب دونه من التقديرات!! فافهم هذه النكتة التي لا يسمح بمثلها كل وقتٍ ولا تكاد تجدها في الكتب، وإنما هي من فتح الله وفضله، فله الحمد والمنة، ونسأله المزيد من فضله.

فانظر كيف اتفقت القاعدة العقلية مع القاعدة النحوية، وجاءت الخصوص بمقتضاهما معًا من غير خروج عن مُوْجب عقلٍ ولا لغةٍ ولا تحريفٍ لنصٍّ، ولو لم يكن في هذا التَّعليق إلا هذه الفائدة لساوت رحلة، فكيف وقد تضمن من غرر الفوائد مالًا يَنفُق إلا على تجَّارِه، وأما من ليس هناك فإنه يظن الجوهرة زجاجة، والزجاجة المستديرة المثقوبة جوهرة، ويزري على الجوهري ويزعم أنه لا يفرق بينهما!! والله المعين.

المسألة التاسعة١: في دخول الشرط على الشرط، ونذكر فيه ضابطًا مزيلًا للإشكال إن شاء الله، فنقول: الشرط الثاني تارة يكون معطوفًا على الأول وتارة لا يكون، والمعطوف تارة يكون معطوفًا على فعل الشرط وحده،٢ وتارة يُعْطف على الفعل مع الأداة، فمثال غير المعطوف: "إن قمتِ إن قعدتِ فأنت طالق".

  1. (١) قارن بـ "الفروق": (١/ ٨١ - ٨٥) للقرافي، ولم يذكر المصنف العاشرة.
  2. (٢) (ق/٢٢ ب) من النسخة (ق) ساقط من مصوَّرتي وينتهي السقط إلى قوله: "وممن نص ... " ص/١٠٤.
101

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي