بدائع الفوائد

(ق/٢٣ أ) وممن نص على المسألة [لبن] الموفَّق١ الأندلسي في شرحه٢، فقال: إذا دخل الشرط على الشرط، وأُعيد حرف الشرط، توقّف وقوع الجزاء على وجود الشرط الثاني قبل الأول، كقولك: "إن أكلتِ إن شربتِ فأنت طالق"، فلا تطلق حتى يوجد الشرب منها قبل الأكل؛ لأنه معلق٣ على أكلٍّ معلَّقٍ على شربٍ، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق في "المهذب"٤، وحكى ابن شاس في "الجواهر"٥. عن أصحاب مالك عكسه، والوجهان لأصحاب الشافعي.

ولابد في المسألة من تفصيل وهو: أَنَّ الشرط الثاني إن كان متأخرًا في الوجود عن الأول؛ كان مقدرًا بالفاء، وتكون الفاء جواب الأول، والجواب المذكور جواب الثاني، (ظ/ ١٧ ب) مثاله: "إن دخلت: المسجد إن صليت فيه فلك أجر"، تقديره: فإن صليت فيه، وحذفت الفاء لدلالة الكلام عليها، وإن كان الثاني متقدمًا في الوجود على الأول؛ فهو في نية التقدم، وما قبله جوابه، والفاء مقدرة فيه، ومثله قوله ﷿: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، تقديره: إن أراد الله أن يغويكم٦، فإن

  1. (١) تحرفت في (ق) إلى: "الفرضي".
  2. (٢) أي: شرحه للمفصّل للزمخشري، وتقدم نقل المؤلف عنه ص/ ٩١، وترجمته والتعريف بكتابه.
  3. (٣) (ظ ود) "تعلق".
  4. (٤) (١٠/ ٢١٥ - مع شرحه للعمراني".
  5. (٥) (٢/ ٢٠٧) واسم الكتاب "عِقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة"، ومؤلّفه هو: عبد الله بن نجم بن شاس الجذامي السعدي أبو محمد ت (٦١٦).
    انظر: "وفيات الأعيان": (٣/ ٦١)، و"السير": (٢٢/ ٩٩).
  6. (٦) "تقديره: إن أراد الله أن يغويكم" سقطت من (ظ ود).
104

أردت أن أنصحَ لكم لا ينفعكم نُصْحِي، وتقول: "إن دخلت المسجدَ١ إن توضأتَ فصل ركعتين"، تقديره: إن توضأت، فإن دخلت المسجد فصلِّ ركعتين، فالشرط الثاني هنا متقدِّم.

وإذ لم يكن أحدهما متقدمًا في الوجود على الآخر، بل كان محتملًا للتقدم والتأخر؛ لم٢ يحكم على أحدهما بتقدم ولا تأخر، بل يكون الحكم راجعًا إلى تقدير المتكلِّم ونيته، فأيهما قدره شرطًا كان الآخر جوابًا له، وكان مقدرًا بالفاء تقدم في اللفظ أو تأخر، وإن لم يظهر نِيَّة ولا تقدير احتمل الأمرين، فمما ظهر فيه تقديم المتأخر، قول الشاعر:

إن تَسْتغيثوا بِنا إنْ تُذْعَرُوا تَجِدوامِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانها الكَرَمُ٣

لأنَّ الاستغاثة لا تكون إلا بعد الذُّعر، ومنه قول ابن دُرَيد٤:

فإنْ عَثَرتُ بَعْدها إنْ وألَتْنَفْسي مِن هَاتَا فقولا لا لَعَا

ومعلوم أن العثور مرة ثانية٥ إنما يكون بعد الذُّعر، ومن المحتمل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، يحتمل أن تكون الهبة شرطًا ويكون فعل الإرادة جوابًا له، ويكون التقدير: إن وهبت نفسها للنبي فإن أراد النبي أن يستنكحها فخالصة له، ويحتمل أن تكون

  1. (١) (ق): "الدار".
  2. (٢) (ق): "للتقديم والتأخير ولم".
  3. (٣) البيت في "الخزانة": (١١/ ٣٥٨) ولا يُعرف قائله.
  4. (٤) ضمن المقصورة، وانظر "المقصورة": (ص/ ٢٠ - مع شرح التبريزي).
  5. (٥) (ق): "العبور الثاني".
105

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي