بدائع الفوائد

أردت أن أنصحَ لكم لا ينفعكم نُصْحِي، وتقول: "إن دخلت المسجدَ١ إن توضأتَ فصل ركعتين"، تقديره: إن توضأت، فإن دخلت المسجد فصلِّ ركعتين، فالشرط الثاني هنا متقدِّم.

وإذ لم يكن أحدهما متقدمًا في الوجود على الآخر، بل كان محتملًا للتقدم والتأخر؛ لم٢ يحكم على أحدهما بتقدم ولا تأخر، بل يكون الحكم راجعًا إلى تقدير المتكلِّم ونيته، فأيهما قدره شرطًا كان الآخر جوابًا له، وكان مقدرًا بالفاء تقدم في اللفظ أو تأخر، وإن لم يظهر نِيَّة ولا تقدير احتمل الأمرين، فمما ظهر فيه تقديم المتأخر، قول الشاعر:

إن تَسْتغيثوا بِنا إنْ تُذْعَرُوا تَجِدوامِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانها الكَرَمُ٣

لأنَّ الاستغاثة لا تكون إلا بعد الذُّعر، ومنه قول ابن دُرَيد٤:

فإنْ عَثَرتُ بَعْدها إنْ وألَتْنَفْسي مِن هَاتَا فقولا لا لَعَا

ومعلوم أن العثور مرة ثانية٥ إنما يكون بعد الذُّعر، ومن المحتمل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، يحتمل أن تكون الهبة شرطًا ويكون فعل الإرادة جوابًا له، ويكون التقدير: إن وهبت نفسها للنبي فإن أراد النبي أن يستنكحها فخالصة له، ويحتمل أن تكون

  1. (١) (ق): "الدار".
  2. (٢) (ق): "للتقديم والتأخير ولم".
  3. (٣) البيت في "الخزانة": (١١/ ٣٥٨) ولا يُعرف قائله.
  4. (٤) ضمن المقصورة، وانظر "المقصورة": (ص/ ٢٠ - مع شرح التبريزي).
  5. (٥) (ق): "العبور الثاني".
105

الإرادة شرطًا والهبة جوابًا له، والتقدير: إن أراد النبيُّ أن يستنكحها، فإن وهبت نفسها فهي خالصة له، يحتمل الأمرين، فهذا ما ظهر لي من التفصيل في هذه المسألة وتحقيقها، والله أعلم.

فائدة عظيمة المنفعة١

قال سيبويه٢: "الواو لا تدل على الترتيب ولا التعقيب، تقول: صمتُ رمضانَ وشعبانَ، وإن شئتَ: شعبان ورمضان، بخلاف "الفاء" و"ثم" إلا أنهم يقدمون في كلامهم ما هم به أَهَمُّ، وهُمْ ببيانِهِ أَعْنَى، وإن كانا جميعًا يهمانهم ويَعْنيانهم"، هذا لفظُه.

قال السُّهيلي: وهو كلام مجمل يحتاج (ق/٢٣ ب) إلى بسطٍ وتبيين، فيقال: متى يكون أحدُ الشيئين أحقَّ بالتقديم٣، ويكون المتكلم ببيانه أعنى.

قال: والجوابُ: أن هذا الأصل يجب الاعتناء به، لِعِظم منفعته في كتاب الله، وحديث رسوله؛ إذ لابدَّ من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم وتأخير٤ ما أخر، كنحو السَّمْع والبصر٥، والظلمات والنور، والليل والنهار، والجن والإنس في الأكثر، وفي بعضها: الإنس والجن، وتقديم السماء على الأرض في الذِّكر٦، وتقديم الأرض عليها في بعض الآي، ونحو: "سميع عليم"، ولم يجئ:

  1. (١) "نتائج الفكر": (ص/٢٦٦).
  2. (٢) في "الكتاب": (١/ ٢١٨).
  3. (٣) (ظ ود): "بالمتقدم".
  4. (٤) (ق): "ما قدم في القرآن أو ... ".
  5. (٥) (ظ ود): "السميع والبصير"، والمثبت من (ق) و"النتائج".
  6. (٦) ليست في (ق).
106

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي