الإرادة شرطًا والهبة جوابًا له، والتقدير: إن أراد النبيُّ أن يستنكحها، فإن وهبت نفسها فهي خالصة له، يحتمل الأمرين، فهذا ما ظهر لي من التفصيل في هذه المسألة وتحقيقها، والله أعلم.
فائدة عظيمة المنفعة١
قال سيبويه٢: "الواو لا تدل على الترتيب ولا التعقيب، تقول: صمتُ رمضانَ وشعبانَ، وإن شئتَ: شعبان ورمضان، بخلاف "الفاء" و"ثم" إلا أنهم يقدمون في كلامهم ما هم به أَهَمُّ، وهُمْ ببيانِهِ أَعْنَى، وإن كانا جميعًا يهمانهم ويَعْنيانهم"، هذا لفظُه.
قال السُّهيلي: وهو كلام مجمل يحتاج (ق/٢٣ ب) إلى بسطٍ وتبيين، فيقال: متى يكون أحدُ الشيئين أحقَّ بالتقديم٣، ويكون المتكلم ببيانه أعنى.
قال: والجوابُ: أن هذا الأصل يجب الاعتناء به، لِعِظم منفعته في كتاب الله، وحديث رسوله؛ إذ لابدَّ من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم وتأخير٤ ما أخر، كنحو السَّمْع والبصر٥، والظلمات والنور، والليل والنهار، والجن والإنس في الأكثر، وفي بعضها: الإنس والجن، وتقديم السماء على الأرض في الذِّكر٦، وتقديم الأرض عليها في بعض الآي، ونحو: "سميع عليم"، ولم يجئ:
(١) "نتائج الفكر": (ص/٢٦٦).
(٢) في "الكتاب": (١/ ٢١٨).
(٣) (ظ ود): "بالمتقدم".
(٤) (ق): "ما قدم في القرآن أو ... ".
(٥) (ظ ود): "السميع والبصير"، والمثبت من (ق) و"النتائج".
(٦) ليست في (ق).
"عليم سميع"، وكذلك: "عزيز حكيم" و"غفور رحيم"، وفي موضع واحد: "رحيم غفور" إلى غير ذلك مما لا يكاد ينحصر. وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة، لأنه كلام الحكيم الخبير. وسنقدِّم بين يدي الخوض في هذا الغرض أَصْلًا يقف بك على الطريق الأوضح.
فنقول: ما تقدم من الكلم فتقديمه في اللسان على حسب تقدُّم المعاني في الجَنَان، والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال، فإذا سبق معنى من المعاني إِلى الخَلَد والفِكْر١ بأحد هذه الأسباب الخمسة، أو بأكثرها، سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق، وكاد ترتُّب الألفاظ بحسب ذلك، نعم وربما كان ترتُّب الألفاظ بحسب الخفة والثقل، لا بحسب المعنى، كقولهم: "ربيعة ومُضَر"، وكان تقديم "مضر" أولى من جهة الفضل، ولكن آثروا الخفة؛ لأنك لو قدمت "مضر" في اللفظ، كثرت الحركات وتوالت، فلما أخرت وُقِف٢ عليها بالسكون.
قلت: ومن هذا النحو: "الجن والإنس"، فإن لفظ الإنس أخفّ، لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة، فكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وجِمَامه. وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر والأغلب، وسنشير إليها في آخر الفصل (ظ/١٨ أ) إن شاء الله تعالى.
أما ما تقدم بتقدُّم الزمان فكـ "عاد وثمود" و"الظلمات والنور"،
(١) (ظ ود): "الخفة والثقل" ولا معنى له.
(٢) في الأصول ونسختَي النتائج: "ووقف" وأصلحه محققه كما أثبتْ.