بدائع الفوائد

"عليم سميع"، وكذلك: "عزيز حكيم" و"غفور رحيم"، وفي موضع واحد: "رحيم غفور" إلى غير ذلك مما لا يكاد ينحصر. وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة، لأنه كلام الحكيم الخبير. وسنقدِّم بين يدي الخوض في هذا الغرض أَصْلًا يقف بك على الطريق الأوضح.

فنقول: ما تقدم من الكلم فتقديمه في اللسان على حسب تقدُّم المعاني في الجَنَان، والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال، فإذا سبق معنى من المعاني إِلى الخَلَد والفِكْر١ بأحد هذه الأسباب الخمسة، أو بأكثرها، سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق، وكاد ترتُّب الألفاظ بحسب ذلك، نعم وربما كان ترتُّب الألفاظ بحسب الخفة والثقل، لا بحسب المعنى، كقولهم: "ربيعة ومُضَر"، وكان تقديم "مضر" أولى من جهة الفضل، ولكن آثروا الخفة؛ لأنك لو قدمت "مضر" في اللفظ، كثرت الحركات وتوالت، فلما أخرت وُقِف٢ عليها بالسكون.

قلت: ومن هذا النحو: "الجن والإنس"، فإن لفظ الإنس أخفّ، لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة، فكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وجِمَامه. وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر والأغلب، وسنشير إليها في آخر الفصل (ظ/١٨ أ) إن شاء الله تعالى.

أما ما تقدم بتقدُّم الزمان فكـ "عاد وثمود" و"الظلمات والنور"،

  1. (١) (ظ ود): "الخفة والثقل" ولا معنى له.
  2. (٢) في الأصول ونسختَي النتائج: "ووقف" وأصلحه محققه كما أثبتْ.
107

فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول، وتقدمهما في المحسوس معلوم١ بالخبر المنقول، وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل، قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨] فالجهل٢ ظلمة معقولة، وهي متقدمة بالزمان على نور العلم٣ ولذلك قال تعالى: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]، فهذه ثلاث محسوسات: ظلمة الرَّحِم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة، وثلاث معقولات وهي: عدم الإدراكات الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة؛ إذ٤: "لكلِّ آية ظهر وبطن، ولكل حرف حدٌّ، ولكل حدٍّ٥ مطلع"٦، وفي الحديث: "إِنَّ اللهَ خَلَقَ عِبَادَهُ في (ق/٢٤ أ) ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ من نُوْرِه"٧.

ومن المتقدِّم بالطبع نحو: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ونحو:

  1. (١) (ق): "معقول".
  2. (٢) في "النتائج": "وانتفاء العلم".
  3. (٣) (ق): "العلوم"، و"النتائج": "الإدراك".
  4. (٤) ليست في (ق).
  5. (٥) "ولكل حد" سقط من (د).
  6. (٦) جاء هذا القول عن بعض السلف، وروي عن النبي ﷺ، انظر ذلك مع شرحه في "الإتقان": (٢/ ٤٨٦)، و"البرهان": (٢/ ١٦٩).
  7. (٧) أخرجه أحمد: (٢/ ١٧٦، ١٩٧)، والترمذي رقم (٢٦٤٢)، وحسَّنه، وابن حبان في "الإحسان": (١٤/ ٤٣)، والحاكم في "المستدرك": (١/ ٣٠) وصححه، وابن أبي عاصم في "السنة": (ص/ ١٠٨)، واللالكائي: (٤/ ٦٠٣)، والآجري في "الشريعة": (٢/ ٧٥٧).
    كلهم من طريق عبد الله ابن الدَّيْلمي عن عبد الله بن عَمرو به، وسنده صحيح، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي والألباني في "السلسلة" رقم (١٠٧٦).
108

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي