وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدَّم بالطبع، كتقدم الحيوان على الإنسان، والجسم على الحيوان. ومن هذا الباب تقدم "العزيز" على "الحكيم"؛ لأنه عزَّ فلما عزَّ حَكَمَ، وربما كان هذا من تقدُّم السبب على المسبب، ومثله كثير في القرآن، نحو: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة: ٢٢٢]؛ لأنَّ التوبة سبب الطهارة، وكذلك: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾[الشعراء: ٢٢٢]؛ لأنَّ الإفك سبب الإثم، وكذلك: ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾[المطففين: ١٢].
وأما تقدُّم ﴿هَمَّازٍ﴾ على ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾[القلم: ١١] فبالرتبة؛ لأنَّ المشي مرتب على القعود في المكان١. والهماز هو: العيَّاب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة.
وأما تقدُّم ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ على: ﴿مُعْتَدٍ﴾[القلم: ١٢] فبالرتبة أيضًا؛ لأن المناع يمنع من٢ نفسه، والمعتدي يعتدي على غيره، ونفسه [في الرتبة]٣ قبل غيره.
ومن المقدَّم بالرتبة قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾[الحج: ٢٧]؛ لأنَّ الذي يأتي راجلًا يأتي من المكان القريب، والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد، على أنَّه قد رُوِي عن ابن عباس أنَّه قال: "وددت أني حججت راجلًا، لأنَّ الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن "٤، فجعله ابن عباس من باب تقدُّم
(١) (ق): "الكلام".
(٢) "النتائج": "خير".
(٣) من "النتائج".
(٤) قال السيوطي في "الدر المنثور": (٤/ ٦٣٩): "وأخرج ابن أبي شيبة، وابن سعد، =
الفاضل على المفضول، والمعنيان موجودان. وربما قُدِّم الشيء لثلاثة معانٍ وأربعة وخمسة، وربما قدم لمعنًى واحد من الخمسة.
ومما١ قدم للفضل والشرف: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾[المائدة: ٦]، وقوله: ﴿النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾[النساء: ٦٩]، ومنه تقديم "السمع" على "البصر"٢، و"سميع" على "بصير"، ومنه تقديم "الجن" على "الإنس" في أكثر المواضع؛ لأن الجنّ تشتمل على الملائكة وغيرهم مما اجْتَنَّ عن الأبصار قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾[الصافات: ١٥٨] وقال الأعشى٣:
وأما قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾[الرحمن: ٧٤] وقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾[الجن: ٥] فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال؛ لنزاهتهم عن العيوب، وأنهم لا يُتَوهم عليهم الكذب، ولا سائر الذنوب؛ فلما لم يتناولهم عموم لفظ الجنِّ٥
= وعَبْد بن حُميد، وابن جرير: (٩/ ١٣٥ - ١٣٦)، وابن المنذر، وابن أبي حاتم: (٨/ ٢٤٨٨)، والبيهقي: (٤/ ٣٣١)، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: "ما آسى على شيءٍ فاتني إلا أني لم أحج ماشيّا حتى أدركني الكِبَر، أسمع الله تعالى يقول: "يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر" فبدأ بالرجال قبل الركبان".
(١) (ق ود): "ربما".
(٢) (ظ ود): "السميع علي البصير".
(٣) ليس في "ديوانه"، وذكره ابن منظور في "اللسان": (١٣/ ٩٨).