بدائع الفوائد

لهذه القرينة بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم.

وأما تقديم "السماء" على "الأرض"؛ فبالرتبة -أيضًا- وبالفضل والشرف.

وأما تقديم "الأرض" في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٦١]؛ فبالرتبة -أيضًا- لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه، وهم المخاطبون بقوله: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ [يونس: ٦١]؛ فاقتضى حُسْن النظم تقديمها مَرْتبةً في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها، بخلاف الآية التي في "سبأ"، فإنها منتظمة بقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣].

وأمَّا تقديم "المال" على "الولد" في كثير من الآي؛ فلأن الولدَ بعد وجودِ المالِ نعمةٌ ومسرَّةٌ، وعند الفقر (ق/ ٢٤ ب) وسوء الحال همٌّ ومضرَّة، فهذا من باب تقديم السبب على المسبب؛ لأنَّ المال سبب تمام النعمة بالولد.

وأما قوله: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] فتقديم النساء على البنين بالسبب، وتقديم [البنين] على [الأموال] بالرتبة١.

ومما تقدَّم بالرتبة ذكر "السمع والعلم" حيث وقع، فإنَّه خبر يتضمَّن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلُّقه بما قرب كالأصوات (ظ/١٨ ب) وهمس الحركات؛ فإن من سمع حِسَّك وخَفيَّ صوتك أقربُ إليك - في العادة - ممن يقال لك: إنه يعلم، وإن كان علمه

  1. (١) في الأصول: "وتقديم الأموال على البنين بالرتبة"، والتصويب من "النتائج".
111

تعالى متعلقًا بما ظهر وبطن، وواقعًا على ما قَرُب وشَطَن، ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم؛ فهو أولى بالتقديم.

وأما تقديم "الغفور" على "الرحيم"؛ فهو أولى بالطبع١؛ لأنَّ المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة تُطْلب قبل الغنيمة. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لعَمْرو بن العاص: "أَبْعَثُكَ وَجْهًا يُسَلِّمُكَ اللهُ فِيْهِ وَيُغَنِّمُكَ وَأَزْعَبُ لَكَ زَعْبَةً مِنَ المَالِ"٢، فهذا من الترتيب البديع، بدأ بالسلامة قبل الغنيمة، وبالغنيمة قبل الكسب.

وأما قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢] في سبأ فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة، فإِمَّا بالفضل والكمال، وإما بالطبع؛ لأنها منتظمة بذكر أصناف٣ الخلق من المكلّفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصُّهم، والعموم بالطبع قبل الخصوص، كقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وكقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].

  1. (١) (ق): "بالتقديم بالطبع".
  2. (٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٩٧ و٢٠٢)، والبخاري في "الأدب المفرد": (ص/٩٧)، وابن حبّان "الإحسان": (٨/ ٧)، والحاكم: (٢/ ٢٣٦) وغيرهم.
    كلهم من طرقٍ عن موسى بن عُلَيّ بن رباح عن أبيه عن عَمْرو بن العاص به.
    والحديث صححه الحاكم وابن حبان، والذهبي والألباني في "صحيح الأدب المفرد" رقم ٢٢٩.
    ووقع في الأصول، وبعض مطبوعات كتب السنة: "أرغب لك رغبة" بالراء والغين، والصواب: "أزْعب لك زَعْبة" بالزاي والعين. والمعنى: أعطيك دفعة من المال. وأصل الزَّعب: الدَّفع والقَسْم، انظر: "النهاية" (٢/ ٣٠٢) لابن الأثير.
  3. (٣) "النتائج": "أوصاف".
112

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي