بهذا الفعل الذي هو الركوع، وأنه١ لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده، فلذلك لم يجئ بلفظ الجمع المسلَّم؛ إِذ لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل، كما احتيج فيما قبله.
ثمَّ وصَفَ ﴿الرُّكَّعِ﴾ بالسجود، ولم يُعْطَف بالواو كما عطف ما قبله؛ لأنَّ ﴿الرُّكَّعِ﴾ هم ﴿السُّجُودِ﴾، والشيءُ لا يُعْطَف بالواوِ على نفسه؛ ولفائدةٍ أُخرى: وهو أن السجود أغلب ما يجيء عبارة عن المصدر، والمراد به هاهنا الجمع، فلو عطف بالواو لتُوُهِّم أنَّه يريد السجودَ الذي هو المصدر دود الاسم الذي هو النعت؛ وفائدةٍ ثالثة: أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة (ظ/١٩ أ)؛ فلو عطفت هاهنا بالواو لتُوُهِّمَ أن الركوعَ حكم يجري على حِيَالِه.
فإن قيل: فلم قال: "السجود" على وزد "فُعُول"، ولم يقل السُّجَّد كالرُّكَّع، وفي آية أخرى: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾[الفتح: ٢٩]، وَلمَ جُمِع "ساجد" على "سجود"، ولم يُجْمع "راكع" على "ركوع".
فالجواب: أن السجود في الأصل مصدرٌ كالخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن، ولو قال: "السُّجَّد" في جمع "ساجد" لم يتناول إلا المعنى الظاهر. وكذلك "الرُّكَّع" ألا تراه يقول: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾[الفتح: ٢٩] وهذه رؤية العين، وهي لا تتعلق إلا بالظاهر، والمقصود هنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قيله مما يُراد به قصد٢ البيت، والبيت لا يُتَوجه إليه إلا بالعمل الظاهر.
وأما الخشوع والخضوع الذي يتناوله لفظ "الركوع" دون لفظ
(١) (ق): "لهذا".
(٢) (ق): "فضل".
"الرُّكَّع" فليس مشروطًا بالتوجه إلى البيت.
وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن، جُعِل وصفًا "للركع" ومتممًا لمعناه؛ إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن، ومن حيث تناول (ق/٢٥ ب) لفظه أيضًا السجود الظاهر الذي يُشترط فيه التوجه إلى البيت، حَسُن انتظامه -أيضًا- بما قبله مما هو معطوف على الطائفين الذين ذكرهم بذكر البيت، فمن لَحَظَ هذه المعاني بقلبه، وتدبَّر هذا النظمَ البديع بِلُبِّه؛ ارتفع في معرفة الإعجاز عن التقليد، وأبصرَ بعينِ اليقين أنَّه تنزيلٌ من حكيم حميد" تم كلامه ﵀.
قلت١: وقد تولَّج ﵀ مضايق تضايق عنها أَن تولجها الإِبَر، وأتى بأشياءَ حسنة، وبأشياء غيرُها أحسن منها.
فأما تعليلُه تقديمَ ربيعة على مضر؛ ففي غاية الحُسْن، وهذان الاسمان لتلازمهما في الغالب صارا كاسم واحد، فحَسُنَ فيهما ما ذكره.
وأما٢ ما ذكره في تقديم الجنِّ على الإنس من شَرَف الجن؛ فمُسْتَدْرَك عليه، فإن الإنس أشرف من الجن من وجوه عديدة قد ذكرناها في غير هذا الموضع.
وأما قوله: إن الملائكة منهم و٣ هم أشرف، فالمقدمتان ممنوعتان.
أَما الأولى: فلأن أصل الملائكة ومادتهم التي خُلِقوا منها هي:
(١) ليست في (ق)، والكلام لابن القيم تعليقًا على كلام السهيلي.