بَدَاءته بالصفا معلِّلًا ذلك بكون الله بدأ به، فلا ينبغي تأخيره، وهكذا يقول المرتبون للوضوء سواء: نحنُ نبدأ بما بدأَ اللهُ به، ولا يجوز تأخير ما قدَّمه الله، ويتعين البداءة بما بدأ الله به، وهذا هو الصَّواب لمواظبة المبيِّن عن اللهِ مراده ﷺ على الوضوء المرتَّب، فاتفق جميعُ من نقل عنه وضوءَه كلُّهم على إيقاعه مرتبًا، ولم يَنقل عنه أحدٌ قطُّ أنَّه أخلّ بالترتيب مرة واحدة، فلو كان الوضوء المنكوس مشروعًا لفعله، ولو في عمره مرَّة واحدة ليبيِّن جوازَه لأمَّته، وهذا بحمد الله واضح.
وأما تقديم النبيين على الصِّديقين؛ فلِمَا ذكره، ولكون الصِّديق تابعًا للنبي، فإنما استحقَّ اسم الصديق بكمال تصديقه للنبي، فهو تابع مَحْض، وتأمَّل تقديم الصديقين على الشهداء؛ لفضل الصديقين عليهم، وتقديم الشهداء على الصالحين؛ لفضلهم عليهم.
وأما تقديم السمع على البصر١؛ فهو متقدم عليه حيثُ وقعَ في القرآن مصدرًا أو فعلًا أو اسمًا.
والثالث: كقوله تعالى: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾[الحج: ٦١]، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾[غافر: ٥٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾[النساء: ١٣٤] فاحتجَّ بهذا من يقول: إن السمعَ أشرفُ من البصر، وهذا قول
(١) انظر للمسألة: ما سيأتي من الكتاب: (٣/ ١١٠٦)، و"مدارج السالكين": (٢/ ٤٢٤ وما بعدها)، و"مفتاح دار السعادة": (١/ ٣٥٤ - ٣٥٨)، و"الصواعق": (٣/ ٨٧٣ - ٨٧٤).
الأكثرين، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وحكوا هم وغيرهم عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: البصر أفضل، ونصبوا معهم الخلافَ، وذكروا الحِجَاج من الطرفين، ولا أدري ما يترتَّب على هذه المسألة من الأحكام حتى تُذكر في كتب الفقه!! وكذلك القولان للمتكلمين والمفسرين.
وحكى أبو المعالي عن ابن قتيبة١ تفضيل البصر، وردَّ عليه، واحتج مفضِّلو السمع بأن الله تعالى يقدِّمه في القرآن حيثُ وقع، وبأن بالسَّمع تُنال سعادة الدنيا والآخرة، فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل والإيمان٢ بما جاءوا به، وهذا إنما يُدْرَك بالسمع، ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود بن سريع: " [أَرْبَعَةٌ]٣ كُلُّهُمْ يُدْلي عَلَى اللهِ بِحُجَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ"، فذكر منهم رجلًا أصم يقول: "يَا رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإِسْلامُ وَأَنا لا أَسْمَعُ شَيْئًا"٤.
واحتجُّوا: بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف أضعاف العلوم الحاصلة (ظ/ ٢٠ ب) من البصر، فإنَّ البصر لا يُدرِك إلا بعضَ الموجودات
(١) أبو المعالي هو الجويني، تقدم وابن قتيبة هو: عبد الله بن مسلم الدينوري الأديب صاحب التصانيف، ت (٢٧٦).انظر: "وفيات الأعيان": (٣/ ٤٢)، و"السير": (١٣/ ٢٩٦). وكلامه في "تأويل مشكل القرآن": (ص/ ٧).
(٢) سقط من (ق).
(٣) في الأصول: "ثلاثة" والتصويب من مصادر الحديث.
(٤) أخرجه أحمد: (٤/ ٢٤)، والطبراني في "الكبير": (١/ ٢٨٧)، وابن حبَّان "الإحسان": (١٦/ ٣٥٦)، والبيهقيُّ في "الاعتقاد": (ص/ ٩٢). من طريق قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع به، والحديث صححه ابن حبان والبيهقي والهيثمي في "المجمع": (٧/ ٢١٩)، والألباني في "السلسلة الصحيحة" رقم (١٤٣٤).