بدائع الفوائد

عن أنفسهم وأموالهم، وحتَّى عن أبنائهم، ولهذا حملتهم محاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احْتَملوا القتل وسَبْيَ الذُّرِّية، ولا يشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة، ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من إزرائهم بهم.

ثمَّ ذَكَر الفروع؛ وهم الأبناء لأنَّهم يَلُونهم في الرُّتبة وهم أقرب أقاربهم إليهم، وأعلق بقلوبهم١، وألصق بأكبادهم من الإخوان والعشيرة.

ثمَّ ذكر الإخوان، وهم الكلالة وحواشي النَّسب.

فَذَكَر الأصول أولًا، ثمَّ الفروع ثانيًا، ثم النُّظراء ثالثًا، ثمَّ الأزواج رابعًا؛ لأنَّ الزوجة أجنبية عنده، ويمكن أن يتعوَّض عنها بغيرها، وهي إنما تُرَادُ للشَّهوة، وأما الأقارب؛ من٢ الآباء والأبناء والإخوان فلا عوض عنهم ويُرادون للنُّصْرة والدفاع، وذلك مقدَّم على مجرَّد الشهوة.

ثمَّ ذَكَر القرابة البعيدة خامسًا، وهي العشيرة وبنو العم، فإن عشائرهم (ق/٢٩ ب) كانوا بني عمِّهم غالبًا، وإن كانوا أجانب فأولى بالتأخير.

ثمَّ انتقل إلى ذكر الأموال بعد الأقارب سادسًا، ووصفها يكونها مُقْترفة، أي: مُكْتَسَبَة؛ لأنَّ القلوبَ إلى ما اكتسبته من المال أمْيَل، وله أحَب، وبقدره أعْرَف لما حصل له فيه من التَّعب والمشقة، بخلاف مالٍ جاءه عَفْوًا بلا كسبٍ٣؛ من ميراثٍ أو هبة أو وصية،

  1. (١) "وأعلق بقلوبهم" ساقطة من (ق).
  2. (٢) (ق): "و".
  3. (٣) (ق): "مشقة كسب".
133

فإنَّ حِفْظه للأوَّل، ومراعاته له، وحرصه على بقائه أعظم من الثاني، والحسُّ شاهد بهذا وحسبك به.

ثمَّ ذكر التجارة سابعًا؛ لأنّ محبةَ العبد للمال أعظم من محبته للتجارة التي يحصله بها، فالتجارة عنده وسيلة إلى المال المقْتَرَف، فقدَّم المال على التجارة تقديم الغايات على وسائلها، ثمَّ وصف التجارة بكونها مما يُخشى كَسَادُها، وهذا يدلُّ على شرفها وخطرها، وأَنه قد بلغ قدرها إلى أَنها مَخُوْفة الكساد.

ثمَّ ذكر الأوطان ثامنًا آخر المراتب؛ لأنَّ تعلُّق القلب بها دون تعلُّقه بسائر ما تقدَّم، فإن الأوطان [تتشابه]١، وقد يقوم الوطن الثاني مقام الأوَّل من كل وجه، ويكون خيرًا منه، فمنها عِوَض.

وأمَّا الآباء والأبناء والأقارب والعشائر [والأموال]٢، فلا يتعوَّض منها بغيرها، فالقلب وإن كان يحن إلى وطنه الأوّل؛ فحنينه إلى آبائه وأبنائه وزوجاته أعظم، فمحبة الوطن آخر المراتب، وهذا هو الواقع إلا لعارض٣ يترجَّح عنده إيثار البعيد على القريب، فذلك جزئي لا كلِّي، فلا تناقض به. وأما عند عدم العوارض فهذا هو الترتيب المناسب والواقع.

وأما آية (آل عمران)؛ فإنَّها لما كانت في سياق الإخبار بما زُيِّن للناس من الشَّهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها، قدَّم ما تَعَلُّق الشهوة به أقوى، والنفس إليه أشدّ سُعرًا٤ (ظ/٢٢ أ) وهو

  1. (١) (ق وظ): "متشابه" والصواب ما أثبت.
  2. (٢) من (ق).
  3. (٣) (ق): "لمعارض".
  4. (٤) (ق): "والنفس أشد إليه سفرًا".
134

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي