والذي يزيد هذا وضوحًا: الكلامُ على ما ذكره بعد هذه الآية من قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ (ق/٣١ ب) وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾[البقرة: ١٢٥]، فإنَّه ذكر أخصَّ هذه الثلاثة، وهو الطواف الذي لا يُشْرَع إلا بالبيت خاصَّة، ثمَّ انتقل منه إلى الاعتكاف، وهو القيام المذكور في الحج١، وهو أعم من الطواف؛ لأنه يكون في كلِّ مسجدٍ، ويختصّ بالمساجد لا يتعدَّاها، ثمَّ ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض، سوى ما منع منه مانع أو اسْتُثْني شرعًا.
وإِن شئتَ قلتَ: ذكر الطواف الذي هو أقرب العبادات بالبيت، ثمَّ الاعتكاف الذي يكون في سائر المساجد، ثمَّ الصلاة التي تكون في البلد كلِّه، بل في كلِّ بُقعة، فهذا تمام الكلام على ما ذكره من الأمثلة، وله ﵀ مزيد السَّبْق وفَضْل التقدُّم.
الواو والألف في "يفعلون ويفعلان" أصل للواو والألف في "الزيدون والزيدان"، فإنما جعلنا ما هو في٢ الأفعال أصلًا لما هو في الأسماء؛ لأنها إذا كانت في الأفعال كانت اسمًا وعلامة جمع، وإذا كانت في الأسماء كانت علامة محضة لا أسماء٣، وما يكون اسمًا وعلامة في حال هو الأصل لما يكون حرفًا في موضع آخر، إذا كان اللفظ واحدًا، نحو كاف الضمير وكاف المخاطبة في ذلك، وهذا أولى بِنَا من أن نجعل الحرف أصلًا والاسم فرعًا له، يدلُّك على هذا: أَنهم لم يجمعوا بالواو والنون من الأسماء إلا ما كان فيه معنى الفعل كـ "المسلمون" و"الصالحون"، دون "رجلون" و"خيلون".
فإن قيل: فالأعلام ليس فيها معنى الفعل، وقد جمعوها كذلك؟.
قيل: الأسماء الأعلام لا تجمع هذا الجمع إلا وفيها الألف واللام، فلا يقال: جاءني زيدون و٤ عمرون، فدلَّ على أنهم أرادوا معنى الفعل، أي: الملقبون بهذا الاسم، والمعرفون بهذه العلامة، فعاد الأمر إلى ما ذكرنا.
وأما التثنية؛ فمن حيث قالوا في الفعل: "فَعَلا" و"صَنَعا" لمن