والثاني: -وهو الصحيح- لأنَّه اليوم الذي جمع فيه الخلق وكمل، وهو اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين لفصل القضاء.
وأما يوم السبت: فمن القطع كما تُشْعِر به هذه المادة، ومنه١ السُّبَات لانقطاع الحيوان فيه عن التحرُّك والمعاش. والنِّعال السبتية التي قُطِع عنها الشعر، وعِلَّة السُّبات التي تقطع العليل عن الحركة والنطق، ولم يكن يومًا من أيام تخليق العالم، بل ابتداء أيام التخليق (ق/ ٣٣ أ) الأحد، وخاتمتها الجمعة، وهذا أصحّ القولين، وعليه يدل القرآن وإجماعُ الأمةِ على أن أيامَ تخليقِ العالم٢ ستة، فلو كان أولها السبت لكانت سبعة.
وأما حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في "صحيحه"٣: "خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ"؛ فقد ذكرَ البخاريُّ في "تاريخه"٤: أنَّه حديث مَعْلول، وأن الصحيح أنَّه قول كعب، وهو كما ذكر؛ لأنه يتضمَّن أن أيام التخليق سبعة، والقرآن يرده٥.
واعلم أنّ معرفة أيام الأسبوع لا يعرف بحسٍّ ولا عقل ولا وضع يتميز به الأسبوع عن غيره، وإنما يُعلم بالشرع، ولهذا لا يَعْرف أيامَ الأسبوع إلا أهل الشرائع، ومن تلقَّى ذلك عنهم وجاورهم، وأما
(١) (ق): "ومن اليوم ... ".
(٢) من قوله: "بل ابتداء ... " إلى هنا ساقط من (د).
(٥) وانظر في الكلام على الحديث: "منهاج السنة": (٧/ ٢١٥)، و"الأنوار الكاشفة": (ص/ ١٨٨ - ١٩٣) للمعلمي، و"السلسلة الصحيحة" رقم (١٨٣٣).
الأمم التي لا تدين بشريعة ولا كتاب؛ فلا يتميز الأسبوع عندهم من غيره، ولا أيامه بعضها من بعض، وهذا بخلاف معرفة الشهر والعام، فإنَّه بأمرٍ محسوس.
فائدة١
في "اليوم" و"أمس" و"غد"، وسبب اختصاص كل لفظ بمعناه.
اعلم أن أقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه، فيقال: "فعلت اليوم"، فذكر الاسم العام ثمَّ عُرِف بأداة العهد، ولا شيءَ أعرفَ من يومك الحاضر، فانصرفَ إليه، ونظيره "الآن" من آن، و"الساعة" من ساعة، وأما "أمس" و"غد"؛ فلما كان كل واحد منهما متصلًا بيومك اشتُقَّ له اسم من أقرب ساعةٍ إليه، فاشْتُق لليوم الماضي أمس الملاقي للمساء، وهو أقرب إلى يومك من صاحبه، أعني: صباحَ غدٍ، فقالوا: أمس، وكذلك قالوا: "غد" اشْتُق له اسم٢ من الغدوِّ، وهو أقرب إلى يومك من مسائه، أعني: مساءَ غدٍ.
وتأمل كيف بنوا "أمس" وأعربوا "غدًا"؛ لأن "أمس" صِيْغ من فعل ماض وهو أمسى، وذلك مبنيّ، فوضعوا أمس على وزن الأمر من٣ أمسى يُمسي، وأما "الغد" فإنَّه لم يؤخذ من مبنيّ إذ لا يمكن أن يقال: هو مأخوذ من "غدا"، كما٤ يمكن أن يقال "أمس" من "أَمسى"، بل أقصى ما يمكن فيه أن يكون من "الغدوِّ" و"العُدْوة"،
(١) أصله في "النتائج": (ص/١١٣ - ١١٦) مع تصرُّف كبير وإضافة.
(٢) (ظ): "وكذلك غد اشتق الاسم ... ".
(٣) من قوله: "وكذلك قالوا ... " إلى هنا ساقط من (د).