الثاني: أن "السين" و"سوف" من حروف المعاني الداخلة على الجمل، ومعناها في نفس المتكلم وإليه يسند لا إلى الاسم المخبَرِ عنه، فوجب أن يكود له صدر الكلام، كحروف الاستفهام والنفي والنهي١ وغير ذلك، ولذلك قَبُح: "زيدًا سأضرب" و"ريدٌ سيقوم"، مع أنَّ الخبرَ عن زيد إنما هو بالفعل لا بالمعنى الذي دلت عليه "السين"؛ فإن ذلك٢ المعنى مستند إلى المتكلم لا إلى زيد؛ فلا يجور أن يخلط بالخبر عن زيد، فتقول: زيد سيفعل.
فإن أدخلت٣ "إن" على الاسم المبتدأ جاز دخول "السين" في الخبر لاعتماد الاسم على "إن" ومضارعتها للفعل، فصارت في اللفظ مع اسمها كالجملة التامة، فصلح دخول "السين" فيما بعدها، وأما مع عدم "إن" فيقْبُح ذلك، وهذا مذهب أبي [الحسين]٤ شيخ السهيلي.
قال السهيلي٥: فقلتُ له: أليس قد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [النساء: ٥٧ و١٢٢] فقال لي: اقوأ ما قبل الآية، فقرأت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، فضحكَ وقال: قد كنت أفزعتني، أليست هذه "إن" في الجملة المتقدمة، وهذه الأخرى معطوفة بالواو عليها، والواو تنوب مناب تكرار٦ العامل
(١) "النتائج": "والتمنى".
(٢) (ق): "فإن كان ذلك".
(٣) (ظ ود): "فإذا دخلت".
(٤) في الأصول: "أبي الحسن" والتصويب من "النتائج" ومصادر الترجمة، وقد تقدمت ترجمته ص/ ٥١.
(٥) "نتائج الفكر": (ص/ ١٢٢).
(٦) (ظ ود): "نياب تكرار" و(ق): "تكرير".
فسلَّمتُ له وسكتُّ١.
قال: ونظير هذه المسألة مسألة "اللام" في "إن"، تقول: "إِن زيدًا لقائم"، ولا تقول: "زيد لقائم"، والمصحِّح لتقديم الظرف على الفعل الماضي: أن معنى المُضِيِّ مستفاد من لفظه، لا من حرف زائدٍ على الجملة منفصل عن الفعل كـ "السين"، و"قد"، وأما فِعْل الحال فزوائده ملحقة بالأصل، فإن أدخلت٢ على الماضي "قد" التي للتوقع؛ كانت بمنزلة "السين" التي للاستئناف، وقَبُحَ حِينئذ: "أمس قد قام زيد"، كما قَبُح: "غدًا [سيقوم]٣ زيد"، والعلة كالعِلَّة حَذْو النعل بالنعل٤.
فائدة٥.
"السين" تشبه حروف المضارعة ونقرِّر قيل ذلك مقدمة، وهي لمَ لَمْ تعمل في الفعل وقد اختصَّت به؟.
والجواب؛ أنها فاضِلَة لهذا الفعل عن فعل الحال، كما فَصَلت الزوائد الأربع فعلَ الخال عن الماضي فاشبهتها، (ق/٣٥ أ) وإن لم تكن مثلها في اتصالها ولحوقها بالأصل، كما أشبهت لام التعريف العَلَمية في اتصالها وتعرُّف الاسم بها، وإن لم تكن مُلْحقة بحروف
(١) انظر كتاب: "دراسات لأساليب القرآن": (٢/ ١٩١ - ١٩٢) لعبد الخالق عضيمة، فقد تعقَّب هذا الموضع بأن اقتران جملة الخبر بعلامة الاستقبال دود أن تسبقها إن وقع كثيرًا في القرآن.
(٢) (ظ): "فإذا دخلت".
(٣) في الأصول: "يقوم"، وكذا في مخطوطات "النتائج"، وصوَّبها المحقق؛ لأنه قد تقدم جواز "غدًا يقوم زيد".