٥ - وَقَع اتفاق بين الكتابين في النقل عن "المدهش" لابن الجوزي بدون عزوٍ، "الفوائد": (ص/ ١٤٥ - ١٥١، ٣٥٧ - ٤٠٥)، و"البدائع": (٣/ ١١٧٦ - ١٢٣٣). وهو الموضع الوحيد الذي يتفق فيه الكتابان. وقد نقل المؤلف في "الفوائد" عن "المدهش" في مواضع أخرى كثيرة.
هذا أهم ما يمكن إبرازه في المقارنة بين الكتابين. وبالجملة فكتاب "البدائع" كتاب علم وتحقيق مع شيءٍ من المواعظ واللطائف، وكتاب "الفوائد" كتاب مواعظ وترقيق مع شيءٍ من العلم والتحقيق.
• المبحث الرابع: سمات الكتاب ومعالم منهجه.
هذه بعض السمات والمعالم التي تبدَّت لنا في الكتاب، وهي تكفي للخروج بتصور واضح جليٍّ عن الكتاب وطريقة مؤلفه فيه، وسنذكرها في النقاط الآتية:
(١) أن كثيرًا من فوائد الكتاب نقول عن مصادر أخرى، يُصرِّح المؤلف بها حينًا ويُغفلها أخرى، وقد يصرِّح بمؤلفيها وقد يُغفل الجميع (انظر مبحث موارد المصنف)، وهذا عائد إلى طبيعة الكتاب، فهو كالتذكرة.
(٢) لم يكن المؤلف متخيِّرًا فحسب، بل كانت له تعليقات ضافية، وإضافات سابغة على كثير من النصوص المنتخبة، وهذه التعليقات إما أن تكون تصحيحًا لوهم أو خطأ، أو تكميلًا لنقص، أو إضافة في البحث، أو تبيينًّا لمجمل، أو تنبيهًا على فائدة بديعة، ونكتة لطيفة.
ومن العلماء الذين ناقشهم في الكتاب: (السهيلي -وأكثر من ذلك- والقرافي وأبو يعلى، وابن عقيل، وشيخه ابن تيمية، وابن العربي، وسيبويه، وابن قدامة والعز بن عبد السلام وابن جني، وابن الطراوة، والزمخشري).
وكان في ذلك كله متأدّبًا بأدب العلماء؛ من أمانة النقل، والثناء على العلماء بما أحسنوا فيه، والانقياد للحجة والبرهان، وأدب المناظرة والاحتياج للخصم بكل دليل يصلح له١. . . مع ما قد يعتريه -أحيانًا- من الشدة في الرد، كقوله: (١/ ٣٤٧): "وفي هذا من التعسُّف والبعد عن اللغة والمعنى ما لا يخفى"، ومثله (٢/ ٥٦٦). وقوله: (٢/ ٤١٤): "فهذا جواب فاسد جدًّا". وقوله: (٢/ ٥١٤): "والذي ذكره أبو الحسين -أي ابن الطراوة- غير حَسَن، بل باطل قطعًا".
وهو بعد هذا كله يعلن تواضعه وحسن قصده فيقول: (٢/ ٦٦٨): "فهذا ما ظهر في. . . فمن وجد شيئًا فليلحقه بالهامش، يَشكر الله وعبادُه له سعيَه، فإن المقصود الوصول إلى الصواب، فإذا ظهر وُضِعَ ما عداه تحت الأَرْجُل" اهـ.
(٣) الأمانة العلمية، فإنه قد صرَّح بالنقل عن غالب من نقل عنهم، وهذا المنهج هو الذي ارتضاه المصنف لنفسه -ويرتضيه كل منُصف- وقد صرّح المؤلف بهذا المعنى أتم تصريح إذ قال: (١/ ٢٤٩) -بعد تفسير سورة الكافرون-: "فهذا ما فتح الله العظيم. . . من غير استعانة بتفسير، ولا تتبّع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه. . . واللهُ